نادي الكبار يستجدي «البترودولار»: هل تحول الـ G7 إلى مكتب وساطة للبحث عن مخرج؟
بينما تتهاوى القوى الغربية تحت وطأة ديونها وحروبها، يهرع ماكرون لاستدعاء الرياض والدوحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هل هي قمة صناع القرار، أم قمة البحث عن ممولين ومنقذين سياسيين من المستنقع الأوكراني والشرق أوسطي؟
خلفية الحدث: القمة الخمسون واعتراف العجز الغربي
تستعد مدينة بورجو إينيازيا في إقليم بوليا الإيطالي لاستضافة القمة الخمسين لمجموعة السبع (G7) في الفترة من 13 إلى 15 يونيو 2024. ولكن، هذه المرة، الأضواء لا تسلط فقط على قادة الدول السبع الصناعية الكبرى، بل على الضيوف «غير التقليديين» الذين دعاهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. دعوة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ليست مجرد لفتة دبلوماسية أو بروتوكولية، بل هي اعتراف صريح ومرير بأن «نادي الكبار» لم يعد كبيراً بما يكفي لإدارة أزمات العالم بمفرده.
تأتي هذه الخطوة في وقت تراجعت فيه حصة مجموعة السبع من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حوالي 70% في ثمانينيات القرن الماضي إلى ما يقرب من 43% اليوم. ماكرون، الذي يرى نفسه «عراب» السياسة الأوروبية، يدرك جيداً أن الجلوس حول طاولة مذهبة في إيطاليا لمناقشة ديون العالم وتغير المناخ دون وجود السيولة السعودية والنفوذ الطاقي والوساطة القطرية هو مجرد «ثرثرة أكاديمية» لا تغني ولا تسمن من جوع. تقرير صحيفة «بوليتيكو» الذي كشف عن هذه الدعوات، يؤكد أن باريس تحاول استباق الزمن لترميم الفجوة بين الغرب والشرق الأوسط، خاصة بعد أن شعرت أوروبا بالبرد القارس نتيجة انقطاع الغاز الروسي منذ فبراير 2022.
تاريخياً، كانت مجموعة السبع هي التي تملي القواعد، ولكن في يونيو 2024، تبدو القواعد قد تغيرت. نحن أمام مشهد استثنائي: قوى غربية منهكة اقتصادياً، ومثقلة بالديون السيادية التي تجاوزت في الولايات المتحدة وحدها 34 تريليون دولار، تستنجد بدول كانت بالأمس القريب تتعرض لانتقادات لاذعة في ملفات حقوق الإنسان والحريات. إنه «الواقعية السياسية» في أبشع وأصدق صورها؛ حيث تسقط الشعارات أمام بريق المصالح والحاجة الماسة للاستقرار في أسواق الطاقة العالمية التي تتحكم الرياض في صماماتها.
أبعاد الدعوة: غزة، أوكرانيا، وصمام أمان الطاقة
لماذا الآن؟ ولماذا السعودية وقطر تحديداً؟ الأبعاد هنا تتجاوز حدود المجاملة لتصل إلى عمق الأزمات الوجودية التي يواجهها الغرب. أولاً، هناك الجرح النازف في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023؛ حيث أثبتت الدوحة أنها الرقم الصعب والوحيد القادر على إدارة خيوط التفاوض المعقدة بين حماس وإسرائيل. الغرب، الذي وجد نفسه محرجاً أمام شعوبه وبسبب دعمه غير المشروط لتل أبيب، يحتاج إلى قطر ليس فقط كـ «وسيط»، بل كـ «مخرج طوارئ» سياسي يجنبه المزيد من الغرق في دماء الأزمة.
ثانياً، البعد السعودي لا يمكن تجاوزه في معادلة «السلم والحرب». الرياض لا تملك فقط «أرامكو» وأكبر احتياطيات النفط التي تضمن عدم قفز سعر البرميل إلى 150 دولاراً، بل تملك أيضاً مفاتيح المبادرة العربية للسلام والقدرة على قيادة العالم الإسلامي نحو تسوية إقليمية شاملة. ماكرون يعلم أن أي خطة لإعادة إعمار غزة، أو أي ترتيبات أمنية في البحر الأحمر لمواجهة تهديدات الملاحة، لن تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به دون توقيع ومباركة سعودية. لذا، فإن الدعوة هي اعتراف بأن «المركز الثقلي» للقرار العالمي قد زحف جنوباً وشرقاً.
ثالثاً، هناك الصراع في أوكرانيا الذي دخل مرحلة الاستنزاف. الغرب يبحث عن شركاء من «الجنوب العالمي» لإقناع روسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو على الأقل لضمان عدم انحياز هذه القوى بالكامل للمحور الصيني الروسي. السعودية، التي استضافت قمة جدة للسلام في أغسطس 2023، أثبتت أنها تستطيع جمع الأضداد. الغرب يريد استغلال هذه «الحيادية الإيجابية» للرياض لكسر العزلة الدولية المفروضة على السردية الغربية تجاه حرب أوكرانيا، وهي مهمة يبدو أن واشنطن وبروكسل فشلتا فيها بمفردهما.
التداعيات الجيوسياسية: شبح «بريكس+» يطارد الـ G7
لا يمكن قراءة دعوة ماكرون بمعزل عن التوسع التاريخي لمجموعة «بريكس» (BRICS) في الأول من يناير 2024، والذي ضم السعودية والإمارات وإيران ومصر وإثيوبيا. هذا التوسع أرسل رسالة رعب إلى العواصم الغربية؛ مفادها أن القوى الاقتصادية الصاعدة بدأت في بناء نظام موازٍ بعيداً عن هيمنة الدولار ونفوذ مجموعة السبع. دعوة السعودية وقطر إلى قمة إيطاليا هي محاولة «احتواء» يائسة من الغرب لمنع الخليج من الارتماء الكامل في أحضان التنين الصيني والدب الروسي.
التداعيات ستكون عميقة؛ فإذا قبلت الرياض والدوحة المشاركة بفعالية، فإنهما ستفرضان أجندتهما الخاصة. لن يكون الخليج مجرد «صراف آلي» لتمويل مشاريع الغرب الخضراء أو حروبه بالوكالة، بل سيطالب بمقعد دائم في صناعة القرار العالمي. هذا التحول يعني نهاية حقبة «الأبوية السياسية» الغربية. لقد ولى الزمن الذي كان فيه قادة أوروبا يلقون المحاضرات حول كيفية إدارة الدول؛ اليوم، هم يطلبون النصيحة (والتمويل) من قادة الشباب في الخليج الذين يديرون صناديق سيادية تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات.
علاوة على ذلك، فإن هذه المشاركة ستزيد من الضغط على إسرائيل. وجود قطر والسعودية في قمة الـ G7 يعني أن قضية فلسطين ستكون حاضرة على الطاولة كأولوية أمنية عالمية، وليس كقضية إنسانية هامشية. الغرب سيجد نفسه مضطراً للموازنة بين حليفه المدلل في تل أبيب وبين شركائه الحيويين في الخليج، وهي موازنة أصبحت شبه مستحيلة في ظل التصعيد الحالي. التداعيات هنا ليست مجرد صور تذكارية، بل إعادة رسم لخرائط النفوذ التي ظلت ثابتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الأطراف المعنية: طموح ماكرون، رؤية محمد بن سلمان، ودبلوماسية تميم
في هذا السيرك السياسي، لكل طرف أهدافه. إيمانويل ماكرون يلعب دور «الوسيط الطموح» الذي يريد لفرنسا أن تظل القوة الأوروبية الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، بعيداً عن التبعية العمياء لواشنطن. إنه يبحث عن عقود لشركة «توتال إنيرجي» و«داسو» و«نافال جروب»، ويرى في التقارب مع الخليج وسيلة لتعزيز «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا. لكنه في نفس الوقت يخاطر بإغضاب حلفائه المتشددين في الداخل الأوروبي الذين لا يزالون يعيشون في وهم التفوق الأخلاقي.
أما الأمير محمد بن سلمان، فهو يتحرك من منطلق قوة «رؤية 2030». بالنسبة له، الـ G7 هي منصة إضافية لتأكيد مكانة السعودية كقطب عالمي جديد. هو لا يحتاج للاعتراف الغربي كما كان في السابق؛ فالعالم كله يأتي إلى الرياض، من شي جين بينغ إلى بايدن. مشاركته، إن حدثت، ستكون بمثابة «نصر دبلوماسي» يؤكد أن سياسة تنويع الشراكات قد آتت أكلها، وأن المملكة هي الجسر الرابط بين الشرق والغرب، وهي الدولة التي لا يمكن لأي نظام عالمي مستقر أن يتشكل بدونها.
الشيخ تميم بن حمد، من جهته، يرسخ مكانة قطر كـ «عاصمة الدبلوماسية الوقائية». قطر التي استضافت كأس العالم 2022 بنجاح باهر، وتدير الآن أعقد ملفات المنطقة، تدرك أن دعوتها لقمة السبع هي تتويج لسنوات من العمل على بناء «القوة الناعمة». الدوحة تلعب دور «السهل الممتنع»؛ فهي حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج الناتو، وفي نفس الوقت شريك تجاري ضخم للصين وممر موثوق للطاقة لأوروبا. هذا التوازن يجعل من وجودها في القمة ضرورة وليس ترفاً.
الموقف والتحليل: كفى نفاقاً.. الغرب يغرق والخليج هو قارب النجاة
بكل صراحة، وبدون تجميل للواقع: دعوة ماكرون هي «شهادة وفاة» للنظام العالمي القديم الذي كانت فيه مجموعة السبع تقرر مصير البشرية. إنها لحظة الحقيقة التي يدرك فيها الغرب أن «القيم المشتركة» التي يتشدق بها لا تملأ خزانات الوقود ولا توقف الصواريخ في البحر الأحمر. الغرب اليوم يبدو مثل عجوز ثري فقد ثروته ولا يزال يحاول الحفاظ على بريستيجه من خلال دعوة جيرانه الأغنياء الجدد إلى مأدبة عشاء هو أصلاً لا يملك ثمنها.
التحليل الصريح لهذا المشهد يكشف عن نفاق بنيوي. كيف يمكن لدول تفرض عقوبات وتتحدث عن الديمقراطية أن تهرول لطلب ود دول تصفها صحافتها ليل نهار بـ «الديكتاتوريات النفطية»؟ الجواب بسيط: الجوع للطاقة والخوف من الصين. الغرب مستعد لابتلاع كبريائه مقابل ضمان تدفق الغاز والاستثمارات. ومن جهة أخرى، يجب على القادة العرب أن يكونوا حذرين؛ فالغرب لا يبحث عن «شراكة حقيقية»، بل عن «خدمات طوارئ». يجب أن يكون الثمن هو تغيير جذري في السياسات الغربية تجاه قضايا المنطقة، وعلى رأسها إنهاء الازدواجية في المعايير تجاه القضية الفلسطينية.
في الختام، قمة إيطاليا القادمة لن تكون قمة «الدول السبع»، بل قمة «السبع المنهكين» أمام «الخليج الواثق». إذا لم يستغل القادة العرب هذا الاحتياج الغربي لفرض رؤية جديدة للتوازن العالمي، فسنكون قد أضعنا فرصة تاريخية. الكرة الآن في ملعب الرياض والدوحة؛ فإما قبول الدعوة بشروط الند للند، أو ترك هؤلاء «الكبار» يواجهون مصيرهم المحتوم في عالم لم يعد يعترف إلا بلغة الأرقام والمصالح المباشرة. لقد انتهى زمن المحاضرات، وبدأ زمن الصفقات الكبرى، ومن يملك المال والقرار هو من يكتب الخاتمة.
The G7 Begs for Petrodollars: Has the Elite Club Turned into a Mediated Exit Strategy?
As Western powers crumble under debt and conflict, Macron rushes to invite Riyadh and Doha to the G7. Is this a summit of decision-makers, or a desperate search for financiers and political saviors from the Ukrainian and Middle Eastern quagmires?
The Backdrop: A Summit on the Edge
The 50th G7 summit, scheduled for June 13-15, 2024, in Borgo Egnazia, Italy, arrives at a moment of profound Western insecurity. President Emmanuel Macron’s decision to invite Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman and Qatari Emir Sheikh Tamim bin Hamad Al Thani is not a mere diplomatic courtesy; it is a strategic admission of the G7's waning influence. In an era where the G7's share of global GDP has shrunk from nearly 70% in the 1980s to around 43% today, the 'club of the rich' is looking increasingly like a relic of the past trying to stay relevant by courting the 'new powers' of the Global South.
Politico’s report on these invitations highlights a shift in French foreign policy, where Macron attempts to position France as the bridge between the old world order and the rising influence of the Gulf. This comes at a time when Europe is desperate for energy alternatives to Russian gas and political solutions to the deadlocks in Ukraine and Gaza. By inviting these leaders, the G7 is effectively acknowledging that no global problem—from energy security to maritime trade in the Red Sea—can be solved without the heavyweights of the Middle East.
Dimensions: Energy, Mediation, and Survival
The dimensions of this move are multifaceted. First, there is the energy crisis triggered by the February 2022 invasion of Ukraine. Europe remains in a precarious position despite its efforts to diversify. Qatar, as a global LNG powerhouse, and Saudi Arabia, as the kingpin of OPEC+, hold the keys to Western economic stability. Macron knows that without Gulf cooperation, the G7’s inflation targets and green energy transitions are nothing more than pipe dreams. The invitation is a silent plea for market stability and a hedge against another winter of energy uncertainty.
Secondly, the geopolitical dimension is undeniable. Qatar has emerged as the indispensable mediator in the Gaza conflict, managing the delicate hostage negotiations between Israel and Hamas. Meanwhile, Saudi Arabia is leading the Arab push for a two-state solution and holds the potential for a historic normalization deal that could reshape the region. The G7 needs these two nations not just for their money, but for their 'diplomatic muscle'—something the West has arguably lost due to its perceived bias and inconsistent application of international law.
Global Repercussions and the BRICS+ Threat
The timing of this invitation is critical. Following the expansion of BRICS on January 1, 2024, to include Saudi Arabia and the UAE (among others), the G7 is feeling the heat of a competing economic bloc. This move by Macron is a desperate attempt to prevent a total tilt of the Gulf powers toward the Beijing-Moscow axis. The G7 is no longer the only game in town, and the realization that the world’s most liquid economies are looking Eastward has sent a shockwave through the halls of the Elysée and the White House.
The repercussions are clear: the Gulf states now hold the leverage. They are no longer junior partners taking orders from Washington or Paris; they are 'swing states' that can dictate the terms of global engagement. If the G7 fails to offer a compelling partnership, they risk being sidelined by a more pragmatic and less 'preachy' BRICS+. This summit in Italy will be the ultimate test of whether the West can actually share power or if it will continue to offer empty seats at a table where the menu is already decided.
The Stakeholders: Macron’s Gamble and Gulf Pragmatism
For Emmanuel Macron, this is a gamble to reassert French 'strategic autonomy.' By being the one to extend the olive branch, he hopes to secure lucrative defense contracts and infrastructure deals, such as the ongoing discussions involving French companies like TotalEnergies and Naval Group. For Mohammed bin Salman, the G7 is a platform to showcase 'Vision 2030' and prove that the Kingdom is a global pillar of the new multi-polar order. He is no longer the 'pariah' the West once labeled; he is the indispensable architect of the modern Middle East.
Sheikh Tamim bin Hamad, on the other hand, represents the power of 'soft power' and mediation. Qatar’s role in balancing relations with the US (as a major non-NATO ally) while maintaining channels with Iran and Hamas makes it a unique asset for a G7 that is currently out of ideas. The interplay between these three figures—Macron the strategist, MBS the visionary, and Tamim the mediator—will define the success or failure of the Apulia summit.
Analysis: The Death of Western Lecturing
The stark reality is that the G7 has lost its moral high ground. The hypocrisy of preaching 'human rights' while ignoring the humanitarian catastrophe in Gaza, contrasted with the rush to condemn Russia, has left the Global South skeptical. Inviting Saudi Arabia and Qatar is a pragmatic surrender to this reality. The West is finally admitting that its 'values-based' diplomacy is secondary to its 'interest-based' survival. The G7 is effectively asking the Gulf to bail out the international order they built but can no longer maintain.
My blunt assessment: This isn't an invitation to a summit; it's a request for a lifeline. If the G7 wants to remain relevant, it must stop lecturing and start listening. The era of Western hegemony is over, and the road to global stability now runs through Riyadh and Doha. Whether the G7 leaders are humble enough to accept this new reality remains to be seen, but the invitations themselves are a confession of their own weakness.
شاركنا وجهة نظرك في التعليقات — النقاش الجريء يبدأ منك.
من مجتمع بكل صراحة — حوار بلا مجاملة.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا