لبنان بين مطرقة المحور وسندان تل أبيب: هل أصبحنا مجرد 'صندوق بريد' متفحم؟
بينما يتسابق الدبلوماسيون في الصالونات المبردة، يحترق الجنوب اللبناني في جحيم حرب لا يملك اللبنانيون قرارها. هل نحن أمام 'جبهة إسناد' أم جبهة انتحار جماعي تقودنا إلى الهاوية؟
خلفية الحدث: من 'قواعد الاشتباك' إلى سياسة الأرض المحروقة
منذ الثامن من أكتوبر 2023، وجد لبنان نفسه منخرطاً في مواجهة لم يستشر فيها أحد، تحولت تدريجياً من مناوشات حدودية خاضعة لـ 'قواعد اشتباك' وهمية إلى حرب استنزاف شاملة. اليوم، وبعد مرور أشهر طويلة، لم يعد الأمر مجرد تبادل لإطلاق النار، بل انتقل العدوان الإسرائيلي إلى مرحلة تدمير ممنهج للقرى والبلدات الجنوبية، من الناقورة وصولاً إلى تلال كفرشوبا. الاحصائيات تشير إلى نزوح أكثر من 110 آلاف لبناني من بيوتهم، وتحول أكثر من 90 قرية حدودية إلى مناطق غير صالحة للسكن نتيجة استخدام الفوسفور الأبيض والقصف الثقيل.
التاريخ لا يرحم، وما يحدث اليوم يعيد الذاكرة إلى حروب سابقة، لكن بفارق مرعب: هذه المرة الدولة اللبنانية غائبة تماماً، لا تملك قرار الحرب ولا تملك ترف التفاوض. الأسماء التي تتصدر النشرات الإخبارية مثل 'المطلة' و'كريات شمونة' في الجانب الآخر، يقابلها رماد في عيتا الشعب وبليدا وميس الجبل. إنها حرب 'إسناد' غابت عنها الحسابات الوطنية اللبنانية وحضرت فيها الأجندات العابرة للحدود، في وقت ينهار فيه الاقتصاد اللبناني المنهار أصلاً تحت وطأة الأزمة المالية التي بدأت في 2019.
أبعاد الصراع: هل نحن دولة أم مجرد 'بريد سريع'؟
الأبعاد الحقيقية لهذا التصعيد تتجاوز جغرافيا الجنوب اللبناني. نحن أمام مواجهة إقليمية كبرى تستخدم الأراضي اللبنانية كمنصة لإيصال الرسائل بين طهران وتل أبيب بواساطة دولية تقودها واشنطن عبر مبعوثها عاموس هوكشتاين. السؤال المستفز هنا: هل يملك لبنان فعلاً سيادة؟ عندما يتحدث الأمين العام لحزب الله عن 'وحدة الساحات'، فهو يقرّ ضمناً بأن مصير قرى الجنوب مرتبط بمصير أنفاق غزة، وهذا ربط قد يبدو بطولياً للبعض، ولكنه انتحاري لبلد يعاني من تحلل مؤسساته. إسرائيل، من جهتها، تستغل هذا الربط لتمارس أبشع أنواع الابتزاز العسكري، مهددة بإعادة لبنان إلى 'العصر الحجري'.
إن البعد الجيوسياسي للأزمة يضع لبنان في خانة 'الرهينة'. فالمفاوضات التي تجري في الغرف المغلقة لا تتحدث عن مستقبل المزارع اللبناني الذي فقد محصوله من الزيتون، بل تتحدث عن ترتيبات أمنية تضمن أمن سكان شمال إسرائيل. المفارقة المضحكة المبكية هي أن العالم يتفاوض على 'ترسيم حدود' برية مع عدو لا يعترف بنا، بينما القوى السياسية اللبنانية مشغولة بالبحث عن رئيس للجمهورية لا يملك من أمره شيئاً. نحن مجرد بيادق في رقعة شطرنج كبيرة، واللاعبون المحترفون يضحون بالبيادق دائماً لحماية الملك.
التداعيات: فاتورة باهظة لبلد مفلس
دعونا نتحدث بالأرقام بعيداً عن الشعارات الرنانة. الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب في الجنوب تجاوزت الـ 2.5 مليار دولار حتى الآن. القطاع الزراعي، الذي يعتمد عليه أهل الجنوب، دُمر بشكل شبه كامل؛ حيث تسبب القصف الإسرائيلي بحرق أكثر من 60 ألف شجرة زيتون معمرة. أما السياحة، التي كانت الرهان الأخير لضخ العملة الصعبة في البلاد، فقد تلقت ضربة قاضية بعد تحذيرات السفارات الأجنبية لمواطنيها من زيارة لبنان. من سيعوض هؤلاء الناس؟ الدولة التي لا تملك ثمن فيول لكهرباء لبنان؟
التداعيات الاجتماعية لا تقل خطورة. النزوح الجماعي خلق أزمة إنسانية صامتة، حيث يعيش آلاف النازحين في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة. هناك جيل كامل من الأطفال في الجنوب خسر عامه الدراسي، وهناك صدمات نفسية ستمتد لعقود. الأخطر من ذلك هو الشرخ الداخلي اللبناني؛ فبينما يرى جزء من اللبنانيين في هذه الحرب 'واجباً مقدساً'، يراها جزء آخر 'مغامرة غير محسوبة' يدفع ثمنها من لا ناقة له فيها ولا جمل. هذا الانقسام ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو لغم موقوت يهدد السلم الأهلي الهش.
الأطراف المعنية: تجار الحروب واللاهثون وراء البقاء
على الطاولة، لدينا أطراف لا تلتقي مصالحها إلا على جثث اللبنانيين. بنيامين نتنياهو يحتاج إلى استمرار التصعيد للهروب من محاكماته الداخلية وللحفاظ على ائتلافه اليميني المتطرف. في المقابل، يجد حزب الله نفسه مجبراً على الاستمرار في 'الإسناد' للحفاظ على مصداقية 'محور المقاومة'، حتى لو كان ذلك يعني تحويل الجنوب إلى غزة ثانية. وبين هؤلاء وأولئك، تقف الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي في دور 'المحلل' الذي يحاول إقناع العالم بأن لبنان لا يريد الحرب، بينما الواقع يقول إن الحكومة لا تملك سلطة حتى على مخفر درك في الجنوب.
ولا ننسى المجتمع الدولي، الذي يكتفي ببيانات 'القلق العميق'. الولايات المتحدة تريد منع توسع الحرب ليس حباً في لبنان، بل لتجنب جر المنطقة إلى صراع يرفع أسعار النفط ويؤثر على الانتخابات الأمريكية. أما فرنسا، فتبدو كمن يحاول الإمساك بزمام المبادرة في بلد كانت تعتبره 'الأم الحنون'، لكنها تكتشف يوماً بعد يوم أن صوت المدافع أعلى من صوت الدبلوماسية الناعمة. الحقيقة المرة أن لا أحد من هؤلاء الأطراف يضع مصلحة المواطن اللبناني كأولوية؛ فالكل يفاوض لتحسين شروطه على حساب دمنا وأرضنا.
الموقف والتحليل: كفى كذباً.. السيادة ليست مجرد قصيدة!
بكل صراحة، وبلا مواربة: ما يحدث في لبنان هو جريمة موصوفة بحق شعب يُساق إلى الذبح تحت مسميات براقة. أن تكون 'جبهة إسناد' يعني أنك تملك ترف القوة والاستقرار، أما أن تسند غيرك وأنت غارق في ديونك، وعاجز عن تأمين رغيف الخبز، ومؤسساتك متحللة، فهذا ليس صموداً، بل هو 'انتحار بالوكالة'. من أعطى الحق لأي طرف، مهما بلغت قوته، أن يرهن مصير 5 ملايين إنسان لقرار يُتخذ في عواصم أخرى؟ السيادة التي يتغنون بها لا تعني فقط طرد المحتل، بل تعني أن تملك الدولة قرار الحرب والسلم، وأن يكون أمن المواطن اللبناني فوق كل اعتبار.
التحليل النقدي للواقع يقول إننا نتجه نحو تسوية أمنية ستفرض علينا في النهاية، تماماً كما فُرض علينا القرار 1701 في عام 2006. السؤال هو: كم من الدماء يجب أن تسيل وكم من البيوت يجب أن تُهدم لنصل إلى نتيجة كان يمكن الوصول إليها بالسياسة؟ إن الرأي الجريء الذي يجب أن يُقال هو أن لبنان يحتاج إلى 'تحرير' قراره الوطني من التجاذبات الإقليمية قبل تحرير أرضه. التفاوض على الركام ليس انتصاراً، والتباكي على النزوح مع الاستمرار في نهج التصعيد هو قمة النفاق السياسي. لقد ملّ اللبنانيون من كونهم 'صندوق بريد' يحترق في كل مرة يريد فيها الكبار تصفية حساباتهم.
Lebanon: Between the Hammer of the Axis and the Anvil of Tel Aviv - Are We Just a Charred Mailbox?
As diplomats scramble in air-conditioned rooms, Southern Lebanon burns in a war the Lebanese people did not choose. Are we witnessing a 'support front' or a collective suicide pact leading to the abyss?
Background: From Skirmishes to Total War
Since October 8, 2023, Lebanon has been dragged into a conflict that has gradually evolved from limited 'rules of engagement' to a systematic destruction of its southern border. What started as a 'support front' for Gaza has turned into a daily nightmare for over 110,000 displaced Lebanese citizens. The exchange of fire between Hezbollah and Israel has targeted more than 90 villages, turning green hills into scorched earth. With over 1,500 casualties and thousands of structures destroyed, the scale of the crisis is no longer 'manageable.'
Geopolitical Dimensions: A Proxy or a Sovereign State?
The conflict today is not merely local; it is a manifestation of the broader Iran-Israel struggle. Lebanon finds itself trapped in the 'Unity of Arenas' strategy, where the Lebanese state—bankrupt and paralyzed—has zero say in the most existential decision of its history. While Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu uses the escalation to prolong his political survival, the Lebanese leadership remains a mere spectator. The intervention of mediators like Amos Hochstein seems like a futile attempt to apply a bandage to a severed limb, as long as the core issue of regional hegemony remains unresolved.
The Devastating Consequences: Economic and Social Ruin
The numbers are staggering. The agricultural sector in the south, a lifeline for thousands, has lost over $2.5 billion due to white phosphorus and artillery. Tourism, which was the last hope for the collapsed economy, has flatlined. Beyond the economy, the social fabric is tearing. Displacement has created a new class of internal refugees who find no support from a state that can't even provide basic electricity or medicine. We are looking at a lost generation and a geography that might become uninhabitable for years to come.
The Stakeholders: Agendas vs. Reality
On one side, Hezbollah insists on linking the Lebanese front to Gaza, a gamble that assumes the enemy will eventually fold. On the other side, Israel’s military establishment is pushing for a 'buffer zone,' threatening to return Lebanon to the 'Stone Age.' Meanwhile, the international community issues toothless statements of 'concern.' Where is the Lebanese government in all of this? It is hidden behind the rhetoric of 'sovereignty' while the country's fate is discussed in Tehran, Washington, and Tel Aviv.
The Bold Verdict: A Stolen Future
The bitter truth is that Lebanon's sovereignty is a myth sold to the masses. We are witnessing the systematic incineration of a country to serve regional agendas that do not prioritize the Lebanese citizen. To claim this is 'defense' while the country is being dismantled is the ultimate gaslighting. It is time to ask: Who gave anyone the right to gamble with the lives of 5 million people? Negotiating over the ruins is not a victory; it is a confession of failure. Lebanon needs to be a country, not a battlefield for others.
شاركنا وجهة نظرك في التعليقات — النقاش الجريء يبدأ منك.
من مجتمع بكل صراحة — حوار بلا مجاملة.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا