بين ضبط الإيقاع في بغداد واشتعال باب المندب: كيف تُدار أدوار الفصائل والحوثيين وفق البوصلة الإيرانية؟
تتداخل التطورات الميدانية في الشرق الأوسط بصورة تطرح الكثير من التساؤلات الحائرة؛ فبينما تُظهر الفصائل المسلحة في العراق استجابة ملحوظة لضغوط التهدئة وتفادي التصعيد الخارجي المباشر، تُسارع جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن لرفع منسوب التوتر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. هذا التباين الظاهري يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأوامر والرسائل التي تتلقاها هذه الجماعات من الداعم الرئيسي في طهران، وكيف تُوزع الأدوار بين "التهدئة المصلحية" و"التصعيد الميداني".
1. الفصائل العراقية ومهادنة التهدئة: المكاسب السياسية أولاً
بكل صراحة، شهد المشهد العراقي تحولاً لافتاً في التعاطي مع الضربات والضغوط الخارجية. فالتحفظ في الرد من قبل بغداد وحسابات الحشد الشعبي لم يأتِ صدفة، بل يعكس مراعاة دقيقة للحفاظ على مكاسب نفوذ هذه القوى داخل الدولة العراقية ومؤسساتها، ولعدم إحراج الحكومة الرسمية التي تسعى للحفاظ على التوازن والتفاهمات الاقتصادية والأمنية مع دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وتجنب المواجهة المباشرة والمفتوحة مع واشنطن.
2. التصعيد الحوثي في البحر الأحمر: ورقة الضغط البحرية
على الجانب الآخر، تُمارس جماعة الحوثي أدواراً أكثر حدة واستعراضية عبر استهداف خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلاً عن تهديد استقرار السلام الإقليمي ورسائل التهديد الموجهة للمنطقة. يهدف الحوثيون من خلال ذلك إلى رفع كلفة الاستقرار الدولي وفرض أنفسهم كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة، فضلاً عن استخدام هذا التصعيد لتغطية أزمات الحكم الداخلية والمطالبات المعيشية في مناطق سيطرتهم.
3. هندسة التوجيهات من طهران: توزيع أدوار حذر ومحسوب
إن قراءة المشهد كشف بوضوح أن الإستراتيجية الإيرانية لا تعتمد أسلوباً واحداً لجميع المكونات الحليفة، بل تُطبق نظام "توزيع الساحات والمهمات" وفقاً للظروف الجيوسياسية:
- في الساحة العراقية: صدرت توجيهات بالتهدئة وخفض التصعيد لحماية النفوذ المؤسساتي المكتسب وتجنب خسارة المكاسب الاقتصادية والسياسية في بغداد، خاصة في ظل التفاهمات الإقليمية القائمة.
- في الساحة اليمنية/البحرية: استُغلت الجغرافيا البحرية عبر الجماعة الحوثية كجبهة إشغال وضغط على القوى الغربية والتجارة العالمية، لتحسين شروط طهران التفاوضية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة على أراضيها.
هل تساهم التهدئة الميدانية في بعض الساحات في حماية أمن المنطقة، أم أنها استراحة محارب مؤقتة؟
من مجتمع بكل صراحة — تحليل متوازن ومسؤول للتطورات الجيوسياسية.