صناعة «التريند» وتجريف القيم: من يحرك الخيوط خلف الشاشات، وهل الهدف إلهاء العقول وتسطيح الوعي؟
في كل يوم يستيقظ العالم على "تريند" جديد يكتسح منصات التواصل الاجتماعي؛ مقاطع مصورة تهبط بمستوى الذوق العام، تحديات خطرة أو سخيفة، وحوارات تلامس القاع الأخلاقي والفكري. نركض خلفها دون تفكير، نستهلكها ونعيد نشرها، ثم نتساءل: هل هذه المحتويات مجرد نتاج عشوائي لـ "خوارزميات صماء"، أم أنها صناعة ثقيلة تُدار في غرف مغلقة لتجريد الشعوب من آخر ما تبقى لديها من قيم ومبادئ سامية؟
السؤال الأول: من الذي يصنع «التريند» حقاً؟
بكل صراحة، الوهم الأكبر الذي تعيشه المجتمعات اليوم هو الاعتقاد بأن "التريند" ينشأ بصفة تلقائية نتيجة تفضل الجماهير بمشاهدة مقطع ما. الحقيقة التقنية والتحليلية تشير إلى غير ذلك؛ هناك ثلاثة أطراف رئيسية تصنع هذه الظاهرة:
- شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: تم تصمم الخوارزميات خصيصاً لرفع نسبة "التفاعل" (Engagement)، وأثبتت الدراسات أن محتويات الصدمة، السخافة، والتعري العاطفي أو الأخلاقي تتلقى تفاعلاً أعلى بأضعاف من المحتوى الرزين.
- شركات التسويق ووكالات «إدارة المؤثرين»: ميزانيات ضخمة تُنفق لدفع مقاطع معينة وتكثيف المشاهدات الوهمية (Bots) لتوجيه الرأي العام ونشر سلوكيات معينة كأنها "النمط السائد".
- أجهزة التوجيه الإستراتيجي: استغلال المنصات الرقمية لتوجه اهتمامات الشعوب بعيداً عن قضاياها المصيرية والاستحقاقات السياسية والاقتصادية.
السؤال الثاني: هل الهدف هدم المبادئ وتسطيح العقول أم مجرد جشع مالي؟
حينما ترى مقطعاً يتضمن انتهاكاً لخصوصية أسرة، أو ترويجاً للابتذال، أو استخفافاً بالقيم الدينية والأخلاقية يتحول إلى حديث الساعة خلال دقائق، يحق لك أن تتساءل: هل نحن أمام مجرد "تجارة مشاهدات" أم استراتيجية خنق قيمي؟
المراقبون يرون أن النتيجتين تلتقيان؛ فالجشع المالي يتغذى على الغرائز البدائية للإنسان. وعندما يُكافأ المحتوى الهابط بالمال والشهرة بينما يُهمّش المحتوى القيمي والفطين، ينشأ جيل كامل يرى أن الطريق الأصوب للنجاح هو التخلي عن الحياء والمبادئ والقيم السامية والانحدار نحو الحضيض.
السؤال الثالث: كيف نتحول من ضحايا للمخطط إلى أصحاب وعي؟
إن الخطورة لا تكمن في صانع "التريند" بقدر ما تكمن في "المستهلك" الذي يقدم عقله ووقت أسرته مجاناً لهذه الخوارزميات. الإنكار المستمر لا يكفي؛ بل يتطلب الأمر استجابة واعية تبدأ بإدراك أن كل "كلِك" ونقرة زر هي بمثابة صوت انتخابي يصوت للرقي أو يغرق المجتمع في الابتذال.
هل تعتقد أننا نقدر على مقاطعة "التريندات الهابطة"، أم أن التيار أصبح أقوى من إرادة الأفراد؟ شاركنا رأيك.
من مجتمع بكل صراحة — وعي نقدِي وحوار فكري مسؤول.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا