
مقبرة البطش… حين لم يَسْلَم الموتى من جرائم الاحتلال
بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من منطقة مقبرة البطش، لم تكن الأرض وحدها شاهدة على الجريمة، بل القبور نفسها. قبور نُبِشت، وجثث أُخرجت من مثواها الأخير، في مشهد يعكس سقوطًا أخلاقيًا غير مسبوق لقوة احتلال لم تكتفِ بإبادة الأحياء، فامتد بطشها إلى انتهاك حرمة الموتى.
ما جرى في مقبرة البطش ليس “حادثًا عسكريًا” ولا “خطأً ميدانيًا”، بل جريمة مكتملة الأركان. نبش القبور واستخراج الجثث بحثًا عن جثة بعينها — أياً كانت الذريعة — يمثل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين الدولية والإنسانية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تُحرّم المساس بكرامة الموتى في النزاعات المسلحة.
إن جيش الاحتلال، الذي اعتاد تبرير جرائمه بذريعة “الأمن”، كشف مجددًا أن لا خطوط حمراء لديه. فبعد أن دمّر البيوت فوق ساكنيها، وقتل الأطفال والنساء، وحاصر المستشفيات، ها هو اليوم يدنّس المقابر، وكأن الموت نفسه بات عدوًا يجب التنكيل به.
الأخطر من الجريمة ذاتها هو الصمت الدولي. صمتٌ فاضح، ومخزٍ، يوازي في قسوته أفعال الاحتلال. أين الأمم المتحدة؟ أين مجلس الأمن؟ أين المنظمات التي لا تتحرك إلا حين يتغير ميزان السياسة؟ لقد تحوّل القانون الدولي إلى حبر على ورق، وفقد أي قيمة فعلية في ظل دعم أمريكي أعمى، قادته إدارة دونالد ترامب، التي منحت الاحتلال غطاءً سياسيًا كاملًا ليفعل ما يشاء بلا حساب أو خوف من عقاب.
إن نبش القبور ليس مجرد اعتداء على الموتى، بل رسالة واضحة للأحياء:
لا حرمة، لا كرامة، لا قانون.
رسالة تقول إن الفلسطيني — حيًا كان أو ميتًا — لا يُنظر إليه كإنسان، بل كجسدٍ مباح، حتى بعد دفنه.
ومع ذلك، ورغم هذا البطش، تبقى الحقيقة راسخة:
الأرض التي احتضنت الشهداء لن تنسى، والجرائم التي حاول الاحتلال دفنها في صمت المقابر ستخرج إلى الضوء، وسيأتي يوم يُسأل فيه الجناة — مهما طال الزمن — عن كل قبر نُبش، وكل جسد أُهين، وكل إنسان قُتل بلا ذنب.
مقبرة البطش ليست مجرد اسم، بل شاهد تاريخي على مرحلة انحدر فيها الاحتلال إلى قاعٍ لم يبلغه من قبل، حين أعلن حربه حتى على الموتى.
