
حين تُستهدف المدن: هل تبرّر “الذرائع العسكرية” ضرب الخليج؟
في مشهد إقليمي يزداد توترًا، تعود إلى الواجهة واحدة من أخطر الإشكاليات في الحروب الحديثة: استهداف المنشآت المدنية تحت ذريعة وجود أهداف عسكرية. ومع الحديث عن هجمات طالت مطارات وخزانات وقود ومرافق حيوية في دول الخليج، يتصاعد الجدل حول مدى مشروعية هذه المبررات، وحقيقتها على الأرض.
هل تتحول المرافق المدنية إلى أهداف عسكرية؟
تُبرّر بعض الأطراف ضرباتها بالقول إن “أعداء” يستخدمون تلك المواقع، سواء كانت مطارات أو منشآت لوجستية، كقواعد عسكرية أو نقاط دعم. لكن هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة:
هل يمكن اعتبار مطار مدني هدفًا مشروعًا لمجرد احتمال وجود نشاط عسكري محدود؟
وهل تتحول الفنادق أو الأبراج أو الموانئ إلى “قواعد” فقط لأن شخصيات أو جهات معينة قد تمر بها؟
في الواقع، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن الأصل هو حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، ولا يتم استهدافها إلا في حالات واضحة ومثبتة لتحولها إلى أهداف عسكرية مباشرة. أما التوسع في هذا التفسير، فهو ما يجعل كل مدينة عرضة للقصف تحت أي ذريعة.
من “الاستهداف الدقيق” إلى الفوضى
المشكلة لا تكمن فقط في التبرير، بل في نتائجه.
فعندما تُستهدف منشآت مثل خزانات الوقود أو المطارات، فإن التأثير لا يقتصر على هدف محدد، بل يمتد ليشمل حياة آلاف المدنيين، ويهدد الاقتصاد والاستقرار.
وفي حال استخدام أسلحة ذات تأثير واسع – مثل الصواريخ غير الدقيقة أو الذخائر العنقودية – فإن الخطر يتضاعف، لأن هذه الأسلحة بطبيعتها لا تميز بين هدف عسكري ومدني.
هل الذريعة غطاء لتوسيع الصراع؟
يذهب بعض المحللين إلى أن استخدام مبرر “وجود قواعد أو عناصر معادية” قد لا يكون دائمًا هدفه المباشر هو تلك المواقع، بل توسيع دائرة الصراع وإرسال رسائل سياسية وعسكرية.
بمعنى آخر، قد تكون هذه الضربات جزءًا من استراتيجية أكبر، تهدف إلى:
-
الضغط على خصوم إقليميين
-
اختبار ردود الفعل
-
إعادة رسم خطوط النفوذ
لكن هذا النهج يحمل مخاطرة كبيرة، لأنه يفتح الباب أمام ردود فعل متسلسلة قد تخرج عن السيطرة.
الخليج في قلب المعادلة
المدن الخليجية مثل دبي وأبوظبي والدوحة والكويت والمنامة والرياض لم تُبنَ كقواعد عسكرية، بل كمراكز اقتصادية وحضارية عالمية.
استهداف هذه المدن – إن حدث – لا يمكن قراءته كعمل عسكري تقليدي، بل كتصعيد خطير يمس الاستقرار الإقليمي بأكمله.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في الشارع:
هل أصبحت هذه المدن أهدافًا أسهل أو أقرب مقارنةً بأهداف أخرى مثل تل أبيب؟
أم أن المسألة تتعلق بحسابات معقدة تتجاوز مجرد “الأقرب جغرافيًا”؟
بين الانتقام والسياسة
ربط بعض الخطابات بين هذه الهجمات وما يُوصف بأنه “ثأر” لقيادات أو شخصيات سياسية يطرح إشكالية أخرى:
هل تُدار الحروب بمنطق الانتقام؟ أم بمنطق المصالح والاستراتيجيات؟
في الواقع، الدول – خصوصًا في النزاعات الكبرى – لا تتحرك بدافع عاطفي بحت، بل وفق حسابات دقيقة، حتى وإن تم تغليفها بخطاب تعبوي.
الحقيقة الأهم
في نهاية المطاف، يبقى الثابت الوحيد هو أن أي تصعيد يستهدف المدنيين أو يعرّضهم للخطر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يحمل تبعات خطيرة على الجميع.
فالحروب قد تبدأ بذريعة… لكنها نادرًا ما تنتهي ضمن حدودها الأولى.
الخلاصة
التبريرات التي تُستخدم لاستهداف منشآت مدنية تبقى محل شك واسع، خصوصًا عندما تكون الأدلة غير واضحة أو عندما يكون الضرر الواقع أكبر بكثير من الهدف المعلن.
وفي منطقة مثل الخليج، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، فإن أي خطأ في الحسابات قد لا يكون مجرد “ضربة عسكرية”… بل شرارة لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا:
هل نحن أمام عمليات عسكرية محدودة… أم أمام إعادة رسم خريطة الصراع في المنطقة؟



