
لماذا لا تتقدّم النماذج الحقيقية في مجتمعاتنا؟
حوار مفتوح حول الموهبة.. والسلطة.. والفرص المهدورة
هناك فئة في مجتمعاتنا العربية لا تحظى بالضوء رغم أنها تحمل داخله. أشخاص يملكون أدوات ذاتية فريدة، ومهارات قادرة — لو أُعطيت لها المساحة — أن تغيّر مسار قطاعات كاملة.
لكن هذه الفئة تجد نفسها خارج المشهد، لا لقصورٍ فيها، بل لعدم توافقها مع السلطة، أو النظام السائد، أو البنية التقليدية التي لا تعترف إلا بالولاء قبل الكفاءة.
وفي المقابل، هناك من تقل كفاءتهم وخبراتهم وانتماؤهم الحقيقي للأوطان، لكنهم يحصلون على كل الفرص: الوظائف، المناصب، التسهيلات، الدعم، والترويج… فقط لأنهم “منسجمون” مع المنظومة.
هنا يبدأ السؤال الكبير:
هل حقًا لا توجد فرصة للإنسان الكفء إلا إذا أصبح مُطبِّلًا؟
أم أن هناك انفراجة قادمة ستعيد الاعتبار للكفاءات التي صبرت وظلّت تعمل بصمت؟
أم أن هذه الفئة حصلت في الماضي على فرص صغيرة، وحورِبَت حين حاولت التغيير، فاختفت نماذجها من المشهد؟
هذا المقال ليس إجابة نهائية… بل محاولة فتح باب النقاش حول ظاهرة تمس كل بيت عربي تقريبًا.
أولًا: لماذا تُقصى الكفاءات الحقيقية؟
1) لأن النظام السائد يفضّل الولاء على الموهبة
في الكثير من المؤسسات العربية، يُنظر للشخص الكفء على أنه “مزعج” أو “غير مضمون”.
فالموهبة الحقيقية عادة تحمل رأيًا، والمهارة تحمل رؤية، والإنسان المخلص للوطن لا يخشى الحديث عن الأخطاء.
2) لأن الكفاءة تحتاج بيئة نزيهة… وهي نادرة
حين تكون بيئة العمل قائمة على الترضيات لا المعايير، يصبح الموهوب مشكلة، ويصبح قليل المهارة “مناسبًا”.
3) لأن التغيير يخيف أصحاب المصالح
كل شخص قادر على تحسين الواقع يهدد من ارتاح إلى الفوضى أو الركود.
ثانيًا: هل فعلاً لا فرصة إلا لمن يطبّل؟
هنا الحوار يشتد.
نعم… هناك نماذج أُجبرت على الصمت لأن قول الحقيقة كان ثمنه الإقصاء.
لكن التاريخ العربي أيضًا يقدّم لنا نماذج أثبتت أن الفرصة حين تأتي — ولو متأخرة — تقلب الموازين تمامًا.
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر مهم:
هل نحن نعيش مرحلة انسداد… أم مرحلة ما قبل الانفراجة؟
الواقع يشير إلى أن المجتمعات العربية بدأت تفهم قيمة الكفاءة، خاصة مع التنافس العالمي، والتحولات الاقتصادية، واحتياج الدول إلى عقول حقيقية.
لكن المشكلة أن هذه التحولات تسير ببطء شديد، وفي بعض الدول تكاد تكون متوقفة.
ثالثًا: وهل حصل الموهوبون فعلًا على فرص… ثم حورِبوا؟
نعم، كثيرون حصلوا على فرص محدودة، وعندما حاولوا إحداث التغيير الحقيقي وُوجهوا بآلة مقاومة شرسة:
تهميش، تشويه، تضييق، ضغط، أو استبدالهم بأشخاص “أكثر ولاءً وأقل إزعاجًا”.
ومع ذلك… هناك من صمد، وانتصر، وترك بصمته.
رابعًا: أمثلة عربية لنماذج همّشت ثم صنعت الفرق عندما أُتيحت لها الفرصة
هذه أمثلة مختلفة من العالم العربي — تاريخًا ومعاصرة — لأشخاص لم يُمنَحوا الفرص بسهولة، وعندما مُنحوا إياها أحدثوا تغييرًا حقيقيًا:
1) د. فاروق الباز – مصر
عانى من التهميش في بداياته داخل المؤسسات العلمية العربية، لكنه عندما وجد فرصة حقيقية في الخارج أثبت عبقريته، وأصبح من أهم العلماء المشاركين في برنامج أبولو الأمريكي ومسار الهبوط على القمر.
إبداعه لم يظهر إلا عندما وجد بيئة تعترف بالكفاءة.
2) المهندس رائد الفضاء هزاع المنصوري – الإمارات
سنوات طويلة من التدريب والعمل دون ضوء إعلامي كبير. لكن عندما جاءت فرصة حقيقية من مشروع الفضاء الإماراتي، أظهر إمكانات خلقت حالة إلهام عربية.
الفرصة صنعت الفرق.
3) نوال السعداوي – مصر
رغم التضييق والرفض الاجتماعي والفكري، عندما أُتيحت لها مساحة للنشر والحراك الثقافي، خلقت نقلة في الفكر العربي خصوصًا في قضايا المرأة.
4) محمد بودياف – الجزائر
رجل دولة حقيقي، همّش لعقود، ثم عاد ليحاول إصلاح الدولة، لكنه واجه صراعًا مع قوى الفساد والتقليدية، ودفع حياته ثمنًا لمحاولته التغيير.
مثال على أن الموهوب قد يُقتل حين يحاول الإصلاح.
5) الطاهر بن جلون – المغرب (الأدب والفكر)
واجه تهميشًا فكريًا في بداياته، لكنه عندما وجد مساحة في الصحافة والأدب الفرنسي، رسم اسمه عالميًا ونال أرفع الجوائز.
خامسًا: هل سنشهد يومًا انفراجة للكفاءات في عالمنا العربي؟
هذا السؤال هو محور النقاش الحقيقي.
هل تعود الكفاءة إلى مركز العملية؟
هل تُفتح الأبواب أمام أصحاب العقول بدل أصحاب العلاقات؟
هل تكتشف دولنا أن الولاء وحده لا يصنع وطنًا، وأن التطور لا يحدث بالمطبلين؟
الإجابة ليست واضحة، لكنها ممكنة.
فالمجتمع أصبح أكثر وعيًا.
والعالم أصبح أكثر تنافسية.
والأوطان التي لا تتحرك… ستُدفَع للتحرك تحت ضغط الواقع.
ربما لن تأتي الفرصة للجميع الآن، لكن التاريخ لا يضيع أصحاب القيمة.
فالناس التي تعمل بصمت، وتتمسك بمبادئها، ستأتي لحظتها عندما تتغير دورة السلطة، أو تتغير الأولويات، أو يفتح باب جديد في وقت غير متوقع.
خاتمة حوارية
ربما نكون اليوم نشاهد مشهدًا محبطًا للكفاءات العربية، لكن هذا لا يعني أن المشهد نهائي.
فالفرصة — مهما تأخرت — قد تأتي.
وحين تأتي، فإن الفئة التي صبرت ورفضت التطبيل، ستثبت أنها كانت الرهان الصحيح منذ البداية.
ويبقى السؤال مفتوحًا للنقاش:
هل نحن أمام مرحلة تزداد فيها سيطرة “أصحاب الولاء”؟
أم أننا أمام زمن قريب ستعود فيه القيمة للكفاءة… وسيأخذ كل صاحب موهبة مكانه الحقيقي؟
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا