خريطة النار في البحر الأحمر والملاحة: هل أخطأت السعودية حساباتها أم أن أوراق "حلف مكة" ستغير معادلة الردع مع إيران وأذرعها؟
تشهد المنطقة تحولاً عسكرياً خطيراً ومفصلياً؛ حيث ألقى توسع سيطرة الحوثيين في اليمن نحو مضيق باب المندب وجزيرة ميّون ومدينة المخا بظلاله الثقيلة على الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، متزامناً مع تجدد القصف الصاروخي والمسيرات المستهدفة للبنية التحتية والموانئ السعودية، ودخول الفصائل العراقية على خط التنسيق المباشر. وفي ظل تسريبات كشفت عن رفض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبات سعودية لتوجيه ضربات مباشرة للحوثيين وتفضيل واشنطن الاكتفاء بالدعم الاستخباري، تبرز تساؤلات حارقة: هل سقطت حسابات "التهدئة" التي واراهنت عليها الرياض؟ وما هي الأوراق المخفية لدى المملكة وحلفائها الجدد في "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"؟
1. هل كانت حسابات إيران وأذرعها صحيحة؟
الميدان يشير إلى أن طهران والجماعات الحليفة لها (الحوثيون في اليمن والميليشيات في العراق) اختاروا استراتيجية "فرض الوقائع على الأرض". السيطرة الحوثية شبه الكاملة على السواحل المطلة على باب المندب وجزيرة ميّون وتصعيد الهجمات على العمق النفطي والعسكري السعودي يمثل نتاج رؤية إيرانية ترى أن المظلة الأمنية الأمريكية للخليج باتت مخترقة وغير قابلة للاستدعاء الفوري. ومع ذلك، فإن هذه الحسابات قد تكون "مرحلية"؛ إذ إن خنق الملاحة والتطاول على أمن الطاقة العالمي قد يدفع نحو تكتلات مضادة لم تكن في حسابات طهران، وهو ما تجسد سريعاً في خطوات الدبلوماسية السعودية.
2. هل أخطأت السعودية في حساباتها أم تُخفِي أوراقاً إستراتيجية؟
من الظاهر، يبدو أن موقف الرياض محرج للغاية بعد أن رفضت إدارة ترامب الانخراط في ضربات عسكرية مباشرة ضد الجماعة الحوثية، واكتفت بتقديم الدعم الاستخباري. اتضح للرياض أن المراهنة المطلقة على "الضمانات الأمريكية" قرار ينطوي على مخاطرة. غير أن قراءة المشهد من زاوية أخرى تظهر أن السعودية لم تكن نائمة؛ بل كانت تحضر البدائل بدقة:
- صدمة الرفض الأمريكي: دفع هذا التخلي الأمريكي الرياض نحو الإسراع في تنويع الخيارات الأمنية والعسكرية بعيداً عن الهيمنة الغربية المباشرة.
- تفعيل أوراق القوة البحرية والبرية: تشير التقديرات الميدانية إلى أن الجيش اليمني الشرعي وبدعم سعودي يجهز لهجمات مضادة لاستعادة شريط الحُديدة والمخا، بالتوازي مع تكتيكات مسيرات "الدفاع المظلم" لحماية شحنات النفط.
- ورقة التدويل والمحاور الجديدة: تحريك أوراق الجغرافيا والتحالفات الإقليمية الكبرى لمواجهة الحصار البحري المحتمل.
3. "اتفاقية مكة للدفاع المشترك": هل تتدخل تركيا وباكستان ودول الخليج؟
التحول الأبرز على الساحة كان التوقيع على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان (والتي نالت مباركة أمريكية حذرة). ينص التحالف على صيغة تشبه المادة الخامسة لحلف الناتو ("الاعتداء على أحد الأطراف اعتداء على الجميع"). تكمن القوة في هذا المثلث غير التقليدي:
- باكستان: توفير العنصر البشري والخبرة العسكرية الميدانية مع انتشار جندي باكستاني بالفعل وأنظمة دفاع جوي متطورة.
- تركيا: التفوق التكنولوجي العسكري (مسيرات بيرقدار وأكينجي، وتصنيع مقاتلات كعان) والقدرة على إعادة توازن القوى البحرية.
- السعودية ودول الخليج: التمويل الضخم وإدارة المعركة الدبلوماسية والسياسية في ممرات الطاقة.
تفعيل هذا الحلف قد لا يعني بالضرورة إرسال جيوش مباشرة إلى جبال صعدة فوراً، بل عبر تزويد السعودية بالتقنيات والغطاء التكتيكي للقيام بضربات حاسمة لاستعادة باب المندب، وإيصال رسالة رادعة لطهران وميليشياتها في العراق واليمن بأن المساس بأمن الخليج سينقل المواجهة لعتاد وثقل دول إسلامية كبرى.
4. خطط إيران المستقبلية تجاه المنطقة والخليج
تستند استراتيجية إيران إلى "استنزاف الخصوم تحت خط الحرب الشاملة". تسعى طهران إلى محاصرة دول الخليج بـ "طوق من النار والممرات المفخخة" (مضيق هرمز ومضيق باب المندب)، واستخدام ورقة الميليشيات العراقية والحوثية كضغط مجاني لتحسين شروط أي تفاوض مستقبلي مع الغرب. لكن هذا الرهان يواجه معضلة حقيقية: إذ إن الإفراط في الخنق البحري يجبر القوى الإقليمية على رسم حدود جديدة بالدم والحديد.
كيف ترى مستقبَل خريطة التوازنات الإقليمية في ظل تنوع التحالفات الدفاعية في المنطقة؟
من مجتمع بكل صراحة — قراءات ومصارحات في التحولات الجيوسياسية.