الثلاثاء، 17 مارس 2026

Published مارس 17, 2026 by with 0 comment

عُمان تحت النار: بين دبلوماسية الصمت وصواريخ الواقع

 

عُمان تحت النار: بين دبلوماسية الصمت وصواريخ الواقع

عُمان تحت النار: بين دبلوماسية الصمت وصواريخ الواقع



في لحظة إقليمية مشتعلة، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تتحول من وسيط هادئ إلى ساحة استهداف مباشر. دولة عُرفت لعقود بسياسة الاتزان وفتح قنوات الحوار، تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة، وسط صدمة شعبية وتساؤلات سياسية عميقة.


صدمة الشارع العُماني

الشارع العُماني، بطبيعته الهادئة وثقافته السياسية المتزنة، لم يستوعب بسهولة مشهد استهداف الموانئ والمناطق الحيوية. كان من الصعب على الكثيرين تصديق أن جهة كانت عُمان تسعى دائمًا لاحتواء خلافاتها معها، قد تتحول إلى مصدر تهديد مباشر.

ورغم غياب إعلان رسمي واضح يحدد المسؤول، فإن المؤشرات – في نظر كثير من المحللين – تتجه نحو إيران، مع بقاء الخطاب الرسمي العُماني حذرًا، متجنبًا التصعيد المباشر.


دبلوماسية الصمت: حكمة أم فراغ؟

اختارت عُمان عدم توجيه اتهام صريح، وهو ما فُسر بطريقتين:

  • الأولى ترى فيه حكمة سياسية تهدف إلى احتواء الأزمة ومنع التصعيد.

  • والثانية تعتبره فراغًا إعلاميًا فتح الباب أمام الشائعات والتأويلات.

لكن في العمق، تعكس هذه السياسة فلسفة عُمانية قديمة: إدارة الأزمات بهدوء، حتى في أشد لحظاتها توترًا.


تاريخ طويل من الوساطة

لم تأتِ هذه الصدمة من فراغ، بل من تراكم تاريخي طويل من العلاقات المتوازنة.
عُمان لعبت أدوارًا محورية في تقريب وجهات النظر بين إيران والغرب، واحتضنت مفاوضات سرية مهدت لاتفاقات كبرى، أبرزها الاتفاق النووي.


كما رفضت في أوقات سابقة الانخراط في سياسات العزل، مفضلةً البقاء على مسافة واحدة من الجميع، وهو ما جعلها وسيطًا موثوقًا على مدى سنوات.


من الوسيط إلى الهدف

لكن المعادلة تغيرت.
الاستهداف الأخير لم يكن مجرد رسالة عسكرية، بل صدمة سياسية: كيف تتحول دولة لعبت دور “جسر التهدئة” إلى هدف مباشر؟

الإجابة، وفق بعض القراءات، تكمن في طبيعة الصراع الحالي، الذي لم يعد يفرق كثيرًا بين وسيط وطرف، بل يسعى لتوسيع دائرة الضغط وإعادة رسم موازين القوة في المنطقة.


الخليج بين فكي الصراع

ما يحدث في عُمان ليس حالة معزولة، بل جزء من مشهد أوسع تعيشه دول الخليج، التي وجدت نفسها بين ضغطين:

  • مشروع إيراني يسعى لفرض نفوذ إقليمي.

  • ومشروع مضاد تقوده قوى دولية وإقليمية.

ورغم ذلك، حاولت دول الخليج الحفاظ على موقف متوازن، رافضة الانخراط المباشر في الحرب، ومؤكدة أن أراضيها لن تكون منصة لأي تصعيد.


هل انتهت قوة إيران؟

في خضم التصعيد، تبرز تساؤلات حول مستقبل إيران.
هناك من يرى أن الضربات الأخيرة أضعفت قدراتها العسكرية، خصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي والنووي، وأنها قد تحتاج سنوات طويلة لاستعادة توازنها.

لكن في المقابل، يحذر آخرون من المبالغة، مؤكدين أن إيران، بحجمها الجغرافي والبشري، لا يمكن اختزالها في ضربة عسكرية، وأن استقرارها – حتى بحده الأدنى – يظل مصلحة إقليمية لتجنب سيناريوهات الفوضى.


مجلس التعاون: الغائب الحاضر

وسط هذه التطورات، يبرز سؤال مهم: أين مجلس التعاون الخليجي؟

رغم التحديات غير المسبوقة، لم يظهر المجلس بالفاعلية المتوقعة، وهو ما يعكس واقعًا جديدًا تعيشه دول الخليج، حيث تباينت المصالح وتوسعت الأدوار الفردية لكل دولة.

لكن الأزمة الحالية قد تكون فرصة لإعادة إحياء العمل الخليجي المشترك، خصوصًا في الجانب الأمني.


عُمان بعد العاصفة

السؤال الأهم: إلى أين تتجه عُمان بعد هذه الأزمة؟

المؤشرات تشير إلى أنها لن تتخلى عن دورها كوسيط، لكنها في الوقت ذاته قد تعيد تموضعها بشكل أقرب إلى العمق الخليجي، دون أن تفقد هويتها الدبلوماسية المستقلة.

فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن تجاهله، لكن الواقع يفرض إعادة قراءة المعادلات.


الخلاصة

ما حدث في عُمان ليس مجرد حادث عسكري، بل اختبار حقيقي لفكرة “الحياد” في منطقة لا تعترف كثيرًا بالمناطق الرمادية.

وفي عالم تتداخل فيه المصالح وتتصادم المشاريع، يبدو أن القاعدة القديمة ما زالت صالحة:
الدول لا تُقاس بنواياها… بل بقدرتها على حماية نفسها وسط العواصف.

أما الخليج، فربما بات أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى إدراك حقيقة بسيطة:
لا أحد سيحمي هذه المنطقة… إلا أهلها.

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا