الثلاثاء، 17 مارس 2026

Published مارس 17, 2026 by with 0 comment

بين التحليل والإثارة: قراءة في خطاب عبد الله النفيسي وتأثيره على وعي الشارع الخليجي

 

بين التحليل والإثارة: قراءة في خطاب عبد الله النفيسي وتأثيره على وعي الشارع الخليجي

بين التحليل والإثارة: قراءة في خطاب عبد الله النفيسي وتأثيره على وعي الشارع الخليجي



في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه السرديات، لم يعد الخطاب السياسي مجرد رأي عابر، بل أصبح أداة قادرة على تشكيل الوعي العام، وبوصلة قد توجه الرأي العام نحو الثقة أو القلق. وفي هذا السياق، يبرز الجدل مجددًا حول خطاب الدكتور عبد الله النفيسي، الذي عاد ليتصدر النقاش بعد ظهوره الأخير في أحد البرامج الإعلامية.


الحلقة لم تكن مجرد لقاء عابر، بل فتحت بابًا واسعًا للتساؤل: هل يمكن فعلاً تصنيف النفيسي ضمن تيار فكري واضح؟ أم أننا أمام حالة استثنائية تتنقل بين الاتجاهات بحسب اللحظة السياسية؟


مسيرة بلا خط ثابت

عند تتبع المسار الفكري لعبد الله النفيسي، يظهر بوضوح أنه لم يلتزم بخط أيديولوجي واحد. فقد بدأ قريبًا من القومية العربية، قبل أن يقترب من جماعة الإخوان المسلمين حتى أواخر الثمانينيات، ثم اتجه لاحقًا نحو التيار الوطني، ليظهر في مرحلة لاحقة ضمن سياقات أقرب إلى السلفية الجهادية. ومع اندلاع أحداث الربيع العربي، تبنّى خطابًا ثوريًا شعبويًا، قبل أن يميل في السنوات الأخيرة إلى خطاب سياسي يُفهم منه تعاطف مع بعض المحاور الإقليمية.


هذا التنقل المستمر يجعل من الصعب وضعه ضمن قالب فكري محدد، ويطرح تساؤلات حول ثبات الرؤية مقابل ديناميكية الحضور.


بين الخطأ والإثارة

لم يخلُ ظهوره الإعلامي الأخير من أخطاء لافتة ومثيرة للجدل، سواء في سرد الوقائع أو في طرح المعلومات. من الحديث عن شخصيات متوفاة وكأنها حاضرة في مشهد سياسي معاصر، إلى خلط في تفاصيل أكاديمية وتاريخية، وصولًا إلى تناقضات داخل الخطاب نفسه.


لكن اللافت أن هذه الأخطاء، رغم وضوحها، لا تقلل من جاذبية حضوره لدى شريحة واسعة من الجمهور. والسبب لا يكمن في دقة المعلومة بقدر ما يكمن في أسلوب الطرح.


سر التأثير: كيف يجذب النفيسي جمهوره؟

يمتلك النفيسي قدرة لافتة على شد انتباه المستمع. فهو لا يقدم المعلومة كخبر جامد، بل كقصة مشوقة، ويستخدم لغة مليئة بالإيحاءات والتلميحات، تترك مساحة للتأويل والتفكير. كما يجيد اللعب على نبرة الصوت وتوقيت الصمت، ما يمنح خطابه طابعًا دراميًا يجعل المتلقي مندمجًا حتى النهاية.


هذا الأسلوب، الذي يشبه إلى حد ما مدرسة السرد السياسي، يمنحه حضورًا قويًا حتى لدى من يختلفون معه.


إيران بين الواقع والتضخيم

أحد أبرز محاور الجدل في الخطاب كان تصوير إيران كقوة إقليمية كبرى. من حيث المبدأ، لا خلاف على أن إيران تمتلك مشروعًا سياسيًا ونفوذًا في المنطقة، لكن الإشكالية تظهر حين يتحول هذا التوصيف إلى تضخيم مفرط، يوحي بأنها قوة لا تُهزم أو أنها قدر لا يمكن مواجهته.

هذا النوع من الخطاب لا يبقى في إطار التحليل، بل يمتد تأثيره إلى الوعي الجمعي، حيث قد يزرع القلق ويضعف الثقة بالمؤسسات والدول، خصوصًا في أوقات التوتر.

ما وراء الخطاب: التأثير الأخطر

القضية هنا لا تتعلق فقط بصحة المعلومات أو خطئها، بل بما يتركه الخطاب من أثر. فحين يتم تضخيم صورة الخصم بشكل مستمر، يتحول الخطاب إلى أداة نفسية تؤثر على إدراك الناس، وتدفعهم للتشكيك في واقعهم.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في الرأي ذاته، بل في قدرته على إعادة تشكيل وعي الجمهور.

هل هي حالة فردية؟

يرى بعض المحللين أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في شخص واحد، بل هي جزء من نمط أوسع في بعض الخطابات السياسية، حيث يتم تجاوز الخلافات الأيديولوجية لصالح أهداف سياسية أكبر.

وفي هذا السياق، تظهر ما يُعرف بـ"الشخصيات الرمادية"، وهي شخصيات لا تنتمي رسميًا إلى تيار محدد، لكنها تمتلك القدرة على التأثير في اتجاهات متعددة، مستفيدة من هذه المساحة الرمادية في توسيع نطاق حضورها.


بين الشعبية والمسؤولية

لا يمكن إنكار أن عبد الله النفيسي شخصية مؤثرة ولها جمهور واسع، لكن التأثير الكبير يفرض مسؤولية أكبر. فالكلمة اليوم لم تعد مجرد رأي، بل قد تكون شرارة تغير قناعات، أو تزرع شكًا، أو تعيد رسم صورة الواقع في أذهان الناس.


الخلاصة

في النهاية، لا ينبغي أن يكون معيار الحكم على أي خطاب هو اسم صاحبه أو قوته في الإقناع، بل مضمونه وأثره. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط في الميدان، بل في العقول.


والسؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح دائمًا:
هل هذا الخطاب يعزز الثقة والاستقرار؟ أم يزرع القلق ويعيد تشكيل الوعي بطريقة قد تكون أخطر من أي تهديد خارجي؟

لأن الأوطان لا تُستهدف فقط من حدودها… بل قد تُستهدف من داخلها، عبر الكلمة.

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا