
نكران الجميل لا يصنع كرامة: حين يتحول الامتنان إلى خنجر في ظهر الخليج
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد اختلاف في المواقف، ولا حتى صراع روايات إعلامية، بل هو سقوط أخلاقي مدوٍّ يكشف حقيقة ما تخفيه بعض الصدور من حقد دفين على دول الخليج العربي. لقد تجاوز الأمر حدود النقد، وانحدر إلى مستوى الإساءة والتشفي، بل وتمني الخراب لدول لم تُعرف يومًا إلا بالعطاء.
لنكن واضحين: ما يصدر عن بعض المرتبطين بالمؤسسة العسكرية الإيرانية، ومن يدور في فلكها، ليس رأيًا سياسيًا، بل خطاب عدائي فجّ، قائم على الكراهية والتعبئة، يُضخّ بشكل مستمر عبر منصات إعلامية وحسابات رقمية هدفها الوحيد تشويه صورة الخليج وزعزعة مكانته.
لكن العتب – بل الغضب – لا يتوقف عند هذه الجهات، فهذا متوقع منها. إنما الصدمة الحقيقية تأتي من أولئك الذين عاشوا في الخليج، وأكلوا من خيره، وتعلموا في مدارسه، وعملوا في مؤسساته، ثم انقلبوا عليه بأقسى العبارات. أي منطق هذا؟ وأي أخلاق تسمح لإنسان أن يهاجم بيتًا احتضنه، وبلادًا وفرت له ما لم توفره له بلاده؟
ليست هذه مجرد حالات فردية، بل ظاهرة تستحق الوقوف عندها بصرامة. فبعض الأصوات – من جنسيات عربية مختلفة – اختارت أن تصطف خلف خطاب التحريض، لا بدافع الحقيقة، بل بدافع الانتماء الأعمى، أو المكايدة السياسية، أو حتى البحث عن شهرة رخيصة على حساب الإساءة.
ثم يأتي دور ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، ذلك السلاح القذر في الحروب الحديثة. حسابات وهمية، وجيوش منظمة، تعمل ليل نهار على تضخيم الأكاذيب، وبث السموم، وصناعة حالة عداء مصطنع. لكن الحقيقة التي لا يجب الهروب منها: هذا الذباب لا يعمل في فراغ، بل يجد من يصفق له، ويعيد نشر محتواه، ويمنحه الشرعية.
وهنا بيت القصيد: المشكلة ليست فقط في الحملات المنظمة، بل في الأشخاص الحقيقيين الذين قرروا أن يكونوا جزءًا من هذه القذارة، لا ضحايا لها. هؤلاء يتحملون كامل المسؤولية الأخلاقية عما يقولون وينشرون، ولا يمكن تبرير أفعالهم خلف شماعة "التأثر بالإعلام".
دول الخليج لم تكن يومًا عدوًا لشعوب المنطقة، ولم تُعرف بإشعال الحروب أو تصدير الفوضى. على العكس، كانت دائمًا وجهة الباحثين عن الأمان، ومصدر دعم للعديد من الدول في أزماتها. ومن الظلم – بل الوقاحة – أن يُقابل هذا الدور بحملات سبّ وشتم وتشويه.
الاختلاف في الرأي حق، بل ضرورة، لكن التحريض وتمني الخراب ليس رأيًا، بل انحطاط. والنقد البناء مرحب به، أما الإساءة الممنهجة فهي إعلان صريح عن أزمة قيم قبل أن تكون أزمة مواقف.
في النهاية، الرسالة يجب أن تكون واضحة: الخليج ليس ساحة مستباحة لمن أراد أن يفرغ حقده، ولا منصة لمن يبحث عن بطولة زائفة. ومن اختار طريق الإساءة، فعليه أن يتحمل تبعات كلماته، لأن الذاكرة لا تنسى، والتاريخ لا يجامل.
أما دول الخليج، فستبقى – رغم كل هذا الضجيج – أكبر من المهاترات، وأرسخ من أن تهزها أصوات اعتادت أن تعيش على الفوضى وتتنفس من أزماتها.








