
أطفالنا في مرمى التجنيد الرقمي: كيف تستغل الجماعات المتطرفة الألعاب والمنصات الاجتماعية؟
لم تعد الجماعات المتطرفة بحاجة إلى معسكرات في الجبال أو اجتماعات سرية في الخفاء. اليوم، يكفي هاتف ذكي واتصال بالإنترنت لتبدأ عملية استقطاب قد تنتهي بكارثة. الخطر لم يعد بعيدًا… بل قد يكون في غرفة طفلك، خلف شاشة صغيرة يظنها الجميع مساحة آمنة للترفيه.
الألعاب الإلكترونية… البوابة الناعمة
من أخطر البيئات التي يجري استغلالها اليوم منصات الألعاب التفاعلية مثل روبلوكس (Roblox) وفورتنايت وغيرها، إلى جانب غرف الدردشة المرتبطة بها.
روبلوكس تحديدًا بيئة مفتوحة تتيح إنشاء عوالم افتراضية وغرف دردشة، ما يجعل الرقابة أكثر تعقيدًا. بعض التقارير الدولية أشارت إلى محاولات لاستغلال هذه البيئات في:
إنشاء غرف خاصة بأسماء أو رموز أيديولوجية،
مشاركة روابط خارجية تقود إلى منصات مشفرة،
استهداف أطفال ومراهقين يشعرون بالعزلة أو الفراغ العاطفي،
استخدام أسلوب “البطل المختار” لإقناع الطفل بأنه مميز ويملك رسالة أكبر من عمره.
التحول هنا ليس عرضيًا؛ فبدلاً من الحاجة إلى لقاءات ميدانية، يستخدم المتطرفون تكنولوجيا الأساليب النفسية الرقمية للوصول إلى فئات الشباب بشكل يتجاوز التدخل الأسري أو المدرسي بسهولة.
منصات التواصل… غرف مغلقة خلف واجهات مفتوحة
تستغل الجماعات المتشددة منصات مثل:
تطبيقات المراسلة المشفرة،
مجموعات مغلقة على شبكات اجتماعية،
حسابات وهمية بأسماء جذابة،
بث مباشر أو محتوى قصير ذو طابع عاطفي.
تعتمد هذه الشبكات على ما يُعرف بـ"التدرج العاطفي":
عرض مشاهد إنسانية مؤثرة.
تضخيم مشاعر الظلم والغضب.
تقديم تفسير أيديولوجي أحادي.
إحداث عزلة فكرية عن الأسرة والمجتمع.
تصعيد التفاعل نحو محتوى أكثر تطرفًا.
ألعاب ومنصات تمت مراقبتها أو حُرّمت في دول
الرصد الدولي للمخاطر الرقمية لم يقتصر على تحذير فقط، بل وصل إلى إجراءات رسمية في بعض البلدان:
الصين: قيود صارمة على الألعاب الأجنبية، وأجبرتها على تعديل المحتوى وتقليل أوقات اللعب لدى الأطفال، بسبب مخاوف تتعلق بالأمان النفسي والاجتماعي.
إيران: حظرت عدة ألعاب وخدمات تواصل بسبب “الانحراف الثقافي” وخطرها على الشباب والقيم العائلية، وقلّصت وصول بعض المنصات الغربية.
بنغلاديش: فرضت حظرًا مؤقتًا على منصات تواصل وألعاب معينة بعد ربطها بأحداث عنف أو تحريض طائفي.
تركيا: أغلقت مجموعات وقنوات مرتبطة بجماعات متطرفة على شبكات الألعاب ومنصات التواصل بعد تحقيقات أمنية.
مصر والسعودية: رصدتا وأغلقتا حسابات وألعاب خرجت عن قواعد السلامة العائلية أو ارتبطت بتجاوزات متطرفة، ودعتا لرقابة أسرية أعلى على منصات الألعاب.
بعض الولايات في الولايات المتحدة وأوروبا تعمل على تشريعات جديدة تُلزم شركات الألعاب بمراقبة المحتوى الذي يصل إلى أقل من 18 سنة، أو فرض تقييد الدخول للغرف الصوتية غير المراقبة.
هذه الإجراءات تختلف من بلد لآخر، لكنها تؤكد أن المخاطر الرقمية تتجاوز الترفيه البريء، وتصل إلى جوانب أمنية ونفسية وثقافية.
من الترويج الرقمي إلى المخاطر الواقعية
ليس كل لعبة أو منصة خطرة بحد ذاتها… لكن طريقة الاستهداف هي ما يجعل الخطر حقيقيًا:
التواصل عبر غرف الدردشة داخل الألعاب،
توجيه الروابط إلى قنوات مشفرة على تطبيقات غير مراقَبة،
استغلال خوارزميات المحتوى لإظهار مواد متطرفة،
استدراج المراهقين عبر مشاعر العاطفة والانتماء.
في كثير من الحالات، يتحول المراهق تدريجيًا من مجرد لاعب أو مشاهد لمحتوى إلى مساهم رقمي في نشر أفكار متطرفة، قبل أن يمتد الأمر إلى مشاركات ملموسة أو أدوار أكثر خطورة.
ماذا نفعل كأسر ومجتمع؟
المنع الكامل ليس حلاً واقعيًا وحده، لكنه جزء من استراتيجية أوسع:
حوار مفتوح مع الأبناء دون تخويف أو لوم،
متابعة الألعاب والمجموعات التي ينضمون إليها،
تفعيل أدوات الرقابة الأبوية بشكل فعال،
تعليم التفكير النقدي وليس “الحظر فقط”،
تحديد أوقات محدودة لاستخدام الأجهزة،
التواصل مع مدارسهم حول المخاطر الرقمية.
الإنترنت ليس عدوًا بطبيعته، لكنه بيئة مفتوحة يدخلها الجميع… بمن فيهم من يسعى لاستخدامها للتأثير الخفي.
والمعركة اليوم ليست فقط أمنية، بل تربوية وثقافية ونفسية في آن واحد.








