مساء الخير.
دعونا نتحدث بصراحة تامة.
الحرب الدائرة في منطقتنا دخلت أسبوعها الثالث، والمشهد أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لكن المشكلة ليست في الأحداث نفسها، بل في الجدل الذي لا ينتهي: هل هُزمت إيران أم لا؟ هل سقطت أم ما زالت صامدة؟
أنصار إيران يقولون: إيران صامدة.
والطرف الآخر يقول: إيران انتهت.
لكن إذا تركنا الشعارات جانباً ونظرنا إلى الصورة من بعيد، سنجد أن الواقع مختلف تماماً.
من الهجوم إلى الدفاع
قبل أشهر فقط، كانت إيران تتحرك بثقة في المنطقة.
كانت تتحدث عن الهيمنة والنفوذ، وتدير شبكة واسعة من الحلفاء والميليشيات.
لكن بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، تغير كل شيء.
منذ ذلك الوقت، انتقلت إيران من موقع الهجوم إلى وضعية الدفاع الكامل.
واليوم، حتى أنصارها لا يتحدثون عن الانتصار… بل عن الصمود فقط.
وهنا السؤال الحقيقي:
هل الصمود وحده يعني أنك لم تُهزم؟
ماذا حققت إيران عسكرياً؟
لو نظرنا إلى نتائج الحرب بشكل بارد وواقعي سنجد التالي:
-
عدد محدود جداً من الخسائر الأمريكية.
-
بعض الطائرات سقطت، وهو أمر يحدث في أي حرب كبيرة.
-
لكن في المقابل، القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية.
المصانع التي تنتج الصواريخ؟
دُمّرت بشكل واسع.
المصانع الإلكترونية التي توفر مكونات تلك الصواريخ؟
تعرضت لضربات أيضاً.
أما الهجمات الصاروخية الإيرانية، فقد بدأت تتراجع بشكل واضح.
بمعنى آخر، السلاح الذي كان يمثل أهم قوة لإيران في هذه الحرب بدأ يفقد تأثيره.
الجدل العقيم
المشكلة أن النقاش مع أنصار إيران غالباً ما يتحول إلى جدل بلا نهاية.
تقول لهم:
تم اغتيال القادة.
فيردون:
ماتوا شهداء.
تقول:
القدرات العسكرية دُمّرت.
فيردون:
لكن إيران لم تسقط.
وهكذا ينتقل النقاش من نقطة إلى أخرى دون الوصول إلى نتيجة.
لذلك ربما الأفضل هو ترك الجدل والنظر إلى الصورة الكبرى.
خطة إحراق المنطقة
يبدو أن إيران أدركت مبكراً أن المعركة على أراضيها ستكون صعبة.
ولهذا تحاول الآن تغيير شكل الحرب بالكامل.
بدلاً من أن تكون الحرب على إيران فقط، تسعى طهران إلى تحويلها إلى حرب إقليمية واسعة.
بمعنى آخر:
إذا احترقت إيران… فلتشتعل المنطقة كلها.
ولهذا بدأنا نرى توسعاً في ساحات التوتر:
-
الخليج
-
العراق
-
لبنان
-
وربما لاحقاً مناطق أخرى
تغير دور أذرع إيران
قبل هذه الحرب، كانت أذرع إيران في المنطقة جزءاً من مشروع النفوذ والهيمنة.
اليوم تغير الدور.
لم تعد هذه القوى أداة توسع… بل أصبحت أداة تشويش وإرباك.
مثلاً:
-
إطلاق صواريخ صغيرة من لبنان.
-
هجمات مسيّرة من العراق.
هذه العمليات ليست لتغيير ميزان الحرب، بل لإشغال الخصوم وتشتيت تركيزهم عن إيران نفسها.
لبنان على حافة المغامرة
ما يسمى بـ"حزب الله" أطلق مؤخراً عدداً من الصواريخ الصغيرة باتجاه إسرائيل.
الصواريخ محدودة التأثير عسكرياً، لكنها تعطي إسرائيل مبرراً لتصعيد أكبر.
وهنا تكمن الخطورة.
إسرائيل بدأت تلوّح بوضوح بأنها قد تتعامل مع جنوب لبنان كما تعاملت مع غزة.
أي أن لبنان قد يدفع ثمناً باهظاً نتيجة هذه المواجهة.
العراق يدخل المشهد
في العراق أيضاً، بدأت ضربات دقيقة تستهدف قيادات في الميليشيات المرتبطة بإيران.
بعض الهجمات نُفذت بطائرات وُصفت بأنها "مجهولة".
لكن دقة الضربات وتوقيتها جعل كثيرين يعتقدون أن الولايات المتحدة تقف خلفها.
وقد قُتل بالفعل عدد من القيادات في اجتماعات داخل بغداد.
حرب الرسائل السرية
من الأمور اللافتة أيضاً الحديث عن بث رسائل عبر موجات الراديو القصيرة.
هذه الطريقة قديمة في عالم الاستخبارات.
يتم بث أرقام أو كلمات مشفرة، ولا يفهم معناها إلا الشخص الذي يمتلك مفتاح الشفرة.
الهدف منها إعطاء تعليمات لوكلاء أو خلايا في أماكن مختلفة.
وقد تكون هذه إحدى الطرق التي يتم من خلالها تنسيق الهجمات بين أذرع إيران في المنطقة.
معركة النفط
هناك عنصر آخر شديد الخطورة في هذه الحرب: النفط.
إغلاق مضيق هرمز بالفعل رفع أسعار النفط عالمياً.
لكن إذا تعرضت البنية التحتية النفطية لضربات كبيرة، فقد ترتفع الأسعار أكثر بكثير.
بعض التصريحات الإيرانية توحي بأن طهران مستعدة حتى لتحمل ضربات في قطاعها النفطي إذا كان ذلك سيؤدي إلى فوضى في أسواق الطاقة العالمية.
لماذا تقاتل أمريكا وحدها؟
المثير للاهتمام أن دولاً غربية مثل بريطانيا وفرنسا أبدت استعدادها للمشاركة في الحرب.
لكن الولايات المتحدة فضّلت أن تقود المعركة بنفسها تقريباً.
والسبب بسيط:
واشنطن تريد أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في مستقبل إيران، خاصة في ما يتعلق بثروتها النفطية وموقعها الاستراتيجي.
هل تورطت أمريكا؟
هناك من يقول إن الولايات المتحدة وقعت في فخ الحرب.
لكن هذا الرأي يتجاهل حقيقة واضحة:
أمريكا تمتلك أكبر خبرة عسكرية في العالم تقريباً.
خاضت حروباً في أماكن عديدة، ولديها مراكز دراسات وسيناريوهات لكل الاحتمالات.
لذلك من الصعب تصور أنها دخلت هذه الحرب دون حسابات مسبقة.
الاختراق الاستخباراتي
واحدة من أخطر النقاط في هذه المواجهة هي الاختراق الإسرائيلي العميق داخل إيران.
منذ سنوات طويلة شهدنا:
-
اغتيال علماء نوويين.
-
عمليات تخريب للبرنامج النووي.
-
سرقة الأرشيف النووي الإيراني بالكامل.
كل ذلك يدل على أن إسرائيل تمتلك شبكة معلومات واسعة داخل إيران.
وقد تظهر مفاجآت أخرى في الأيام القادمة.
المعركة لم تنتهِ بعد
حتى الآن، لا يمكن القول إن الحرب انتهت.
لكن المؤكد أن ميزان القوى يميل بوضوح ضد إيران.
طهران تراهن حالياً على الصمود وإطالة أمد الصراع.
أما الطرف الآخر فيراهن على استنزاف إيران حتى الانهيار أو الاستسلام.
وفي النهاية، قد نكون أمام مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط…
مرحلة ستحدد شكل المنطقة لسنوات طويلة قادمة.









