
غرينلاند تحت التهديد: حين يتكلم ترامب بلغة القوة لا بلغة السياسة
لا، ما يجري ليس تفاهمًا دبلوماسيًا، ولا زلّة لسان، ولا حتى تصريحًا عابرًا يُفسَّر بحسن نية. ما يقوله دونالد ترامب عن غرينلاند هو ضغط صريح، وابتزاز سياسي مغلّف بلغة ناعمة، ومحاولة فاضحة لفرض الإرادة بالقوة. الرجل لا يفاوض… ترامب يضغط، ومن لا يفهم ذلك يدفن رأسه في الوهم.
غرينلاند، في حسابات واشنطن، ليست جزيرة نائية يسكنها أقل من ستين ألف إنسان. هي موقع عسكري بالغ الحساسية، كنز من الثروات النادرة، ومفتاح السيطرة على القطب الشمالي. ولهذا يتحدث ترامب بوضوح فجّ: غرينلاند «مهمة للأمن القومي الأميركي»، وإن لم يتم الأمر بالاتفاق، فكل الخيارات مطروحة. هذا ليس عرض شراء، هذا تهديد ناعم، مغلف بلغة السياسة، لكنه في جوهره منطق القوة العارية.
شعب غرينلاند قالها بوضوح لا يقبل التأويل: لسنا للبيع، ولسنا قطعة شطرنج في صراع الكبار. والدنمارك ردّت بما يفترض أن يكون بديهيًا في عالم يحترم نفسه: السيادة غير قابلة للنقاش، وغرينلاند ليست مستعمرة تُساوَم عليها دولة أخرى. لكن السؤال الأخطر ليس في الردود، بل في السياق العالمي الذي يسمح أصلًا بظهور هذا النوع من الخطاب.
أوروبا فهمت الخطر فورًا. لأن ما يحدث اليوم في غرينلاند قد يحدث غدًا في أي مكان آخر. دولة ضعيفة أمام قوة عظمى، موقع حساس، موارد نادرة… وفجأة يتحول «الأمن القومي» إلى ذريعة، والسيادة إلى تفصيل، وإرادة الشعوب إلى عائق يجب تجاوزه. عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن نظام دولي، بل عن قانون الغابة.
المرعب ليس فقط مصير غرينلاند، بل الرسالة التي تُرسل إلى العالم بأسره: إذا كان لديك موقع مهم أو ثروات مغرية، فالقانون لن يحميك، والشرعية لن تنقذك، وحده ميزان القوة يقرر مصيرك. هذا المنطق رأيناه من قبل في مناطق أخرى من العالم، بأسماء مختلفة وواجهات متعددة، لكن الجوهر واحد: هيمنة، ضغط، وفرض أمر واقع.
غرينلاند اليوم ليست مجرد جزيرة على هامش الخريطة، بل اختبار حقيقي. اختبار لأوروبا، لا لترامب فقط. اختبار لفكرة السيادة ذاتها، ولما تبقى من وهم النظام الدولي. إذا سقط هذا المبدأ اليوم، فلن يكون السؤال غدًا: لماذا حدث ذلك؟ بل: من التالي؟.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا