
حرية التعبير المزعومة: عندما يُكمَّم صوتك لأنك خارج روايتهم
عندما يُصادَر رأيك في وطنك، عبر منصات تنتمي إلى دول ترفع شعارات الحرية وحرية التعبير، وتفاخر بأنها تتيح لكل من يعيش على أراضيها إبداء رأيه في أكثر القضايا حساسية، بل وتسمح بانتقاد سياسات الدولة ورموزها من رؤساء وحكومات، فإن المشهد يتحول إلى حالة صارخة من التناقض، بل إلى نوع من العبث الذي يصعب تفسيره منطقيًا.
هذا التناقض نعيشه اليوم في العالم العربي والإسلامي، عبر منصات تواصل اجتماعي معروفة ومملوكة لتلك الدول نفسها، منصات بات مجرد ذكر أسمائها مدعاة للقلق، خشية أن يكون المصير حذف المقال أو تقييد انتشاره.
إن ما يتعرض له المحتوى العربي والإسلامي من حظر وإيقاف وتقييد، سواء كان مقالات أو مقاطع مصورة أو حتى آراء شخصية، يؤكد بوضوح أن سياسات هذه المنصات ليست محايدة كما تدّعي. ويزداد هذا القمع كلما كان المحتوى يسلّط الضوء على الانتهاكات والممارسات التي يقوم بها الكيان المحتل، أو يتناول دور داعميه الكبار، ومن يقفون خلفهم من دول تصطف كقطيع واحد خلف الرواية ذاتها.
هذا السلوك يكشف أن تلك المنصات تخدم دولًا وفئات بعينها، وتسعى إلى تلميع صورتها وتقديمها على خلاف ما يراه الناس بأعينهم. إلا أن هذه المحاولات باتت تفشل اليوم، في ظل اتساع رقعة الوعي، ليس في العالم العربي فحسب، بل في الغرب وفي مختلف أنحاء العالم. فقد انكشفت الحقائق، واستفاق الناس من سباتهم الطويل، ولم تعد تنطلي عليهم الروايات المعلبة التي روجتها الأفلام والكتب ووسائل الإعلام، والتي لطالما قدّمت الجلاد في صورة الحريص على العدالة، والساعي إلى السلام، والداعم للإنسانية.
وكما ورد في عنوان هذا المقال، سيظل المحتوى مراقَبًا، وستُتخذ بحقه شتى الإجراءات التي تهدف إلى منعه من الوصول والانتشار، متى ما ساهم في فضح تلك السياسات أو تعرية قادة وحكومات لم تعد قادرة على إخفاء أفعالها. وإن عجزت عن إسكات المحتوى ذاته، فإنها تسعى إلى إسكات كاتبه وناشره، وهو ما حدث بالفعل مع عدد كبير من الناشطين الذين كرّسوا جهودهم لكشف التجاوزات والانتهاكات التي تجاوزت كل الحدود، لصالح دولة أو دولتين، وكأن بقية شعوب العالم مجرد متفرجين ينتظرون دورهم في الظلم القادم.
وأخيرًا، يمكن القول إن أحد أبرز أسباب هذا التضييق المستمر هو غياب البدائل الحقيقية، خصوصًا في مجال وسائل التواصل الاجتماعي. فعدم وجود منصات بنفس الجودة والتأثير، قادرة على جذب المستخدمين وتوفير مساحة أوسع من الحرية، جعل الناس أسرى لتلك المنصات ذات القوانين المنحازة. ولو وُجدت بدائل جادة، وتم دعمها رغم ما قد تتعرض له من ضغوط وحروب ممنهجة، لتوجه الناس إليها تلقائيًا، بحثًا عن فضاء يتيح لهم التعبير بحرية، ونشر الحقائق، وكشف الفظائع التي لم تعد تخلو منها أي دولة في عالمنا، وفي أمتنا الإسلامية، بفعل أولئك الذين لا يزالون يفرضون منطق القوة والهيمنة.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا