
لا يحق لأحد التدخل… إلا عند وقوع الفتنة
لا يملك أي طرف، فردًا كان أو دولة، حقّ التدخل في شؤون الشعوب أو المجتمعات أو الدول الأخرى، إلا في حالةٍ واحدة: عندما تقع الفتنة، وتُرفع شعارات مضلِّلة، ويُغرَّر بالناس حتى يندفعوا لهدم أوطانهم بأيديهم، ظنًا منهم أنهم يصنعون خلاصهم، بينما هم في الحقيقة يفتحون أبواب الخراب على مصاريعها.
هذا تمامًا ما حدث فيما سُمّي بـ«الربيع العربي»، حين انساق كثيرون خلف شعارات براقة، فكانت النتيجة تدمير الدول، وتمزيق المجتمعات، وسفك الدماء، دون أن تجلب تلك الثورات خيرًا يُذكر. وقد قيل منذ البداية، ولا يزال يُقال: إن الخروج على الحكّام لا يترتب عليه خراب دنيوي فقط، بل هو محرّم شرعًا، حتى لو كان الحاكم كافرًا، ما لم تتوافر القدرة الشرعية، لأن الله حرّم ذلك لما فيه من ضررٍ على الناس أنفسهم، لا على الحاكم.
موقف ثابت منذ بداية «الربيع العربي»
منذ انطلاق أحداث تونس وبدايات ما سُمّي بالربيع العربي، كان الموقف واضحًا وثابتًا: التحذير من الفتنة، والتنبيه إلى عواقب الانسياق خلف الشعارات الزائفة. وهذا الموقف لم يتغيّر يومًا، لا بتبدّل الساحات ولا بتغيّر الأسماء.
ومن هذا المنطلق يأتي الحديث عمّا يجري في اليمن. فليس من حق أحد أن يقرّر نيابة عن اليمنيين إن كانوا سيتوحدون أو ينفصلون، فهذا شأنهم وحدهم. لكن حين تتحوّل الخلافات إلى فتنة، ويُغرَّر بالناس، ويقتتل الإخوة فيما بينهم، يصبح النصح واجبًا، لا تدخّلًا في الشؤون الداخلية.
أخطر ما في الأمر: المتاجرة بالدين
أكثر ما يثير الغضب والاستفزاز هو تجارة بعض الأطراف بالدين، والتحدث باسم الشريعة لتبرير الصراعات السياسية. فحين يُقال: “هذا هو الشرع”، يُسكت الناس، ويُغلق باب النقاش، وكأن الدين أصبح أداة لإضفاء القداسة على مشروع سياسي.
ويبرز هنا نموذج واضح لشخصيات تتزيّا بزيّ السلفية، وتتحدث عن طاعة ولاة الأمر، والدروس الشرعية، ودور القرآن، ثم يتضح مع الوقت أن الهدف الحقيقي هو السلطة والحكم. فالخطاب واحد، والمنهج واحد، سواء كان صاحبه إسلاميًا أو علمانيًا أو اشتراكيًا، لكن الكارثة حين يكون العبث باسم الدين.
تناقضات الخطاب وتبدّل الذرائع
يُبرَّر الخروج اليوم بذريعة أن “ولي الأمر تحالف مع جهة معيّنة”، وغدًا بذريعة أنه “لا يوجد ولي أمر أصلًا بل مجلس”، وبعدها تُخترع شبهات جديدة. وكلما ردّ أهل العلم على شبهة، انتقل أصحاب هذا الخطاب إلى غيرها، في سلسلة لا تنتهي من التناقضات.
بل وصل الأمر إلى التحريض على القتال، وتغرير الناس وهم في مأمن، بينما يُدفع البسطاء إلى ساحات الدم، فداءً لكراسي وسلطات، لا لمصالح الشعوب ولا لأمنها ولا لدينها.
الخلاف السياسي لا يعني العداء للدول
من الخطأ الفادح الخلط بين نقد موقف سياسي ومعاداة دولة أو شعب. فالاختلاف مع جهة أو مجلس أو فصيل لا يعني العداء لدولة بعينها. كما أن انتقاد إسرائيل، مثلًا، لا يعني العداء لكل دولة لها علاقات معها.
الحديث هنا ليس عن دول، بل عن مواقف داخلية بين اليمنيين أنفسهم، وتحذير صريح من مسار سيؤدي إلى إفساد الدين والدنيا معًا.
السعودية، الشرعية، والحقيقة المغيّبة
المملكة العربية السعودية لم تغيّر موقفها منذ بداية الحرب في اليمن؛ فقد دخلت بطلب من الرئيس الشرعي لمواجهة الحوثي، ولا تزال على الخط نفسه. أما تصوير الصراع على أنه حرب ضد السعودية، فهو تضليل مكشوف، يراد به جرّ اليمنيين إلى اقتتال داخلي جديد.
لا اصطفاف في الخلافات بين الأشقاء
الخلافات بين الدول الشقيقة تُحلّ بين قادتها، وستُحلّ إن شاء الله بالتوافق والتنازل، لا بدماء الشعوب. ولا يجوز تحويل هذه الخلافات إلى وقود لفتن داخلية يدفع ثمنها الأبرياء.
الأحزاب… أصل البلاء
ما أصاب اليمن في جذوره الأولى كان نتيجة الخروج على الحكم السابق، وتمكين الحوثي عبر المظاهرات والاعتصامات، في سياق امتداد الربيع العربي. ثم تقلبت المواقف، وتحالفت الأحزاب مع أعدائها، وتبدّلت التحالفات بحسب المصالح.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الأحزاب أصل شر وخراب، وقد حذّر القرآن منها صراحة:
«ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون».
فكل حزب، مهما رفع من شعارات، ينتهي إلى الفرقة والدمار، وهذا النهج هو ذاته الذي يُعاد إنتاجه اليوم بخطاب جديد، لكنه يحمل الروح نفسها: الخروج، التبرير، والتحريض.
الخلاصة
ما يجري ليس نصرة دين، ولا دفاعًا عن شعب، بل صراع على السلطة يُغلّف بالدين، وتُدفع فيه الشعوب ثمنًا. والتحذير من هذا المسار واجب شرعي وأخلاقي، قبل أن تعمّ الفتنة، وتأكل الأخضر واليابس.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا