السبت، 10 يناير 2026

Published يناير 10, 2026 by with 0 comment

. عدد يناير 1950: حين سأل الماضي عن المستقبل

 

. عدد يناير 1950: حين سأل الماضي عن المستقبل

 عدد يناير 1950: حين سأل الماضي عن المستقبل


كنوز مجلة «الهلال»… حين قرأ الماضي المستقبل بدقة مدهشة

ماذا لو عدنا سبعين عامًا إلى الوراء، وقرأنا كيف تخيّل كبار مفكري العالم العربي شكل الحياة بعد نصف قرن؟
هذا بالضبط ما فعلته مجلة الهلال في عددها الصادر في 1 يناير/كانون الثاني 1950، حين طرحت سؤالًا جريئًا على نخبة من كبار الكتّاب والمفكرين والعلماء:
كيف سيكون العالم عام 2000؟


سؤال بسيط… وإجابات أدهشت الزمن

في ذلك العدد التاريخي، خاطبت «الهلال» أسماء بحجم عباس محمود العقاد، وأحمد أمين، وأحمد زكي، وفكري أباظة، وأساتذة جامعات، ومهندسين، ومخرجين، وعلماء فلك، وطلبت منهم أن يتخيلوا العالم بعد خمسين عامًا:
المواصلات، الاتصالات، السينما، المدن، الإنسان نفسه.

المثير للدهشة أن نحو 90% من تلك التوقعات كانت دقيقة إلى حد مذهل؛ فقد تحدثوا عن:

  • أجهزة اتصال صغيرة تُحمل في الجيب (الهواتف الذكية)

  • السفر السريع بين القارات في يوم واحد

  • غزو الفضاء والوصول إلى القمر

  • تطور السينما والتقنيات البصرية

  • تغيّر شكل المدن الكبرى مثل القاهرة

وكل ذلك كُتب عام 1950… قبل الإنترنت، وقبل الأقمار الصناعية، وقبل ثورة التكنولوجيا.


يحيى غانم… واكتشاف كنوز الهلال المنسية

القصة لا تقف عند حدود التوقعات فقط، بل تمتد إلى أرشيف مذهل كاد أن يُنسى.
فالصحفي الكبير يحيى غانم، رئيس مجلس إدارة دار الهلال سابقًا، يروي كيف صُدم عندما تسلّم منصبه وبدأ يتفقد المبنى العريق الذي أنشأه جرجي زيدان.

خلف أبواب مغلقة منذ عقود، وداخل غرف مظلمة، اكتُشفت:

  • صناديق أرشيفية ضخمة

  • تقارير بعثة صحفية أرسلتها «الهلال» إلى الخليج عام 1904

  • لقاءات موثقة مع شيوخ وأمراء المنطقة قبل كتاب «ملوك العرب» لأمين الريحاني بعشرين عامًا

وثائق تاريخية نادرة عن:

  • قطر في عهد الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني

  • أوضاع الخليج تحت النفوذ العثماني والبريطاني

  • الحياة السياسية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين


حين كانت «الهلال» مسرحًا للثقافة

المفاجأة الأكبر كانت في الطابق العلوي للمبنى؛
إذ تبيّن أن جرجي زيدان لم يكتفِ بإصدار مجلة، بل أنشأ مسرحًا كاملًا داخل دار الهلال، تُعرض عليه مسرحيات وفنون، وتُغطّيها مجلة «الكواكب».

في زمن كانت فيه القاهرة تستضيف عروضًا مسرحية عالمية، وكان شارع عماد الدين مركزًا للفن الراقي، لا مجرد ذكرى.


مجلة صنعت الوعي العربي

تأسست «الهلال» في أواخر القرن التاسع عشر، وأصبحت:

  • مدرسة فكرية

  • مرجعًا ثقافيًا

  • منبرًا لأعظم العقول العربية

كتب فيها:
العقاد، أحمد أمين، بنت الشاطئ، محمود تيمور، أحمد زكي، أمينة السعيد…
وكان من قرّائها ومراسليها:
الملك فيصل، الملك سعود، جميل مردم بك، عبد الرحمن الرافعي.


من أمّ المجلات… إلى سؤال مؤلم

يبقى السؤال المؤلم:
كيف لمجلة بهذا الإرث، وهذا العمق، وهذا الأرشيف الحضاري الهائل، أن تنحدر في زمننا إلى أغلفة سياسية عابرة، بعد أن كانت تصنع الوعي وتستشرف المستقبل؟


خلاصة

عدد «الهلال» الصادر في يناير 1950 ليس مجرد مجلة قديمة، بل وثيقة حضارية تثبت أن العقل العربي كان يومًا:

  • سابقًا لزمنه

  • جريئًا في أسئلته

  • دقيقًا في رؤيته للمستقبل

وربما الأهم:
أن الماضي، حين يُقرأ جيدًا، لا يحكي ما كان فقط… بل يكشف ما نحن عليه اليوم، وما نخسره حين نُهمِل ذاكرتنا الثقافية.

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا