
هل عاد زمن شريعة الغاب؟
حين تتحول الولايات المتحدة من “قائدة للعالم” إلى قوة تبتزّه
هل عدنا فعلاً إلى زمنٍ يأكل فيه القويّ الضعيف، ويصادر ثرواته ومدّخراته بلا رادع، متجاهلًا القوانين والأعراف الدولية؟
الإجابة المؤلمة: نعم، وبصورة أكثر وقاحة من أي وقت مضى.
ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم، بقيادة رئيسها المتهور دونالد ترامب، لا يمكن توصيفه إلا باعتباره عودة صريحة لمنطق الهيمنة بالقوة، منطق لا يعترف بسيادة الدول ولا بشرعية الشعوب ولا بالقانون الدولي، بل يؤمن بفكرة واحدة فقط:
ما نريده نأخذه، ومن يرفض يُعاقَب.
ترامب… الوجه الصريح لسياسة أميركية قديمة
قد يظن البعض أن ترامب حالة شاذة أو استثناء، لكن الحقيقة أبعد من ذلك.
ترامب ليس انحرافًا عن السياسة الأميركية، بل هو تعريتها الكاملة.
هو يقول ما كان يُقال سابقًا في الغرف المغلقة:
النفط لنا
الأسواق لنا
القرار لنا
ومن يعترض… يُكسر
الفرق الوحيد أن الإدارات السابقة كانت تغلف أفعالها بشعارات “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”، أما ترامب فخلع القناع، وتحدث بلغة التهديد المباشر والابتزاز العلني.
الطاعة أو العقاب… لا خيار ثالث
السياسة الأميركية اليوم تُدار بمنطق العصابة لا الدولة:
إن أطعت، تُكافأ
إن ترددت، تُحاصر
إن رفضت، تُسقط
العقوبات، الانقلابات، الحروب، الفوضى الاقتصادية، دعم النزاعات الداخلية…
كلها أدوات في صندوق واحد اسمه: إخضاع الدول.
ولا يهم إن كانت الدولة ديمقراطية أو ديكتاتورية، غنية أو فقيرة، صديقة أو حليفة؛
المعيار الوحيد هو:
هل تنفّذ ما يُطلب منك أم لا؟
لماذا هذا الإذعان العالمي المخزي؟
السؤال الأخطر ليس: لماذا تتغطرس أميركا؟
بل: لماذا يخضع لها هذا العدد من الدول؟
الإجابة ليست الخوف وحده، بل مزيج من عدة عوامل:
الارتهان الاقتصادي
كثير من الدول رُبط اقتصادها عمدًا بالدولار، بالبنوك الأميركية، بالاستثمارات المشروطة، فأصبح القرار السياسي مرتهنًا للمال.نخب حاكمة بلا شرعية شعبية
أنظمة تعرف أن بقاءها في الحكم مرهون بالدعم الأميركي، لا بإرادة شعوبها.تفكيك مراكز القوة البديلة
أي محاولة لبناء تكتلات مستقلة (اقتصادية أو عسكرية) جرى إفشالها أو ضربها مبكرًا.الخوف من المصير نفسه
ما حدث للعراق، ليبيا، فنزويلا، بنما، وغيرها… رسائل دموية لكل من يفكر بالتمرد.
في مصلحة من تعمل أميركا فعليًا؟
وهنا السؤال الأكثر حساسية:
هل كل ما تفعله أميركا هو لمصلحتها فقط؟
الواقع يقول: ليس بالكامل.
الولايات المتحدة اليوم تعمل لصالح:
المجمّع الصناعي العسكري
شركات الطاقة العملاقة
شبكات المال العابرة للحدود
الكيان الصهيوني الذي يشكّل أحد أبرز المستفيدين من تفكيك الدول وإشغالها بنفسها
ترامب، وغيره، ليسوا سوى واجهة سياسية لمصالح أعمق، أقدم، وأشد شراسة.
القانون الدولي… ديكور بلا قيمة
أين مجلس الأمن؟
أين المحكمة الجنائية الدولية؟
أين المواثيق والاتفاقيات؟
كلها تسقط فورًا عندما تكون أميركا طرفًا.
القانون الدولي يُطبّق على الضعفاء فقط، أما الأقوياء فـفوق القانون.
وهنا تكمن خطورة المرحلة:
حين تنهار القواعد، يصبح العالم ساحة مفتوحة للفوضى.
ماذا على العالم أن يفعل؟
الصمت لم يعد خيارًا، والحياد وهم.
ما يحتاجه العالم اليوم:
كسر الهيمنة الاقتصادية (تنويع العملات، فك الارتهان المالي)
بناء تحالفات حقيقية لا شكلية
إعادة تعريف السيادة كخط أحمر
فضح الابتزاز الأميركي بلا خوف أو تزييف
العودة إلى الشعوب لا إلى واشنطن
العالم لا يحتاج “إذنًا أميركيًا” ليعيش بكرامة.
الخلاصة
ما نراه اليوم ليس سياسة عابرة، بل مرحلة خطيرة من تاريخ النظام الدولي.
مرحلة تقول فيها أميركا صراحة:
نحن الأقوى… إذًا نحن على حق.
لكن التاريخ علّمنا درسًا واحدًا لا يتغير:
كل قوة تتجاوز حدودها، تُهزم في النهاية… ولو بعد حين.
والسؤال الحقيقي لم يعد:
ماذا ستفعل أميركا؟
بل: متى يقرر العالم أن يقول لها: لا؟
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا