الأربعاء، 7 يناير 2026

Published يناير 07, 2026 by with 0 comment

«2026 بين العلم والتنجيم: كيف يُصنَع الخوف؟ ولماذا يربح الكذّابون ويُهمل العقل؟»

«2026 بين العلم والتنجيم: كيف يُصنَع الخوف؟ ولماذا يربح الكذّابون ويُهمل العقل؟»

«2026 بين العلم والتنجيم: كيف يُصنَع الخوف؟ ولماذا يربح الكذّابون ويُهمل العقل؟»





مع نهاية كل عام، يخرج علينا عشرات “المتنبئين” بتوقعات كارثية للعام الجديد: حروب، أوبئة، اغتيالات، انهيارات اقتصادية، ووفاة شخصيات شهيرة. المشهد يتكرر بحذافيره، والعناوين تتشابه، واللغة واحدة، والخوف هو البضاعة الأكثر رواجًا.


في هذا المقال، لا ندّعي معرفة الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله، لكننا نكشف كيف تُصنَع التنبؤات، ولماذا يصدّقها الناس، وأين ينتهي التحليل العلمي ويبدأ الاحتيال النفسي والإعلامي، مع قراءة عقلانية لما قد يحمله عام 2026 وفق المعطيات الواقعية لا الأوهام.


أولًا: قاعدة لا نقاش فيها

لا أنا، ولا أي محلل، ولا أي مركز أبحاث، ولا أقوى دولة في العالم، تستطيع الجزم بما سيحدث في المستقبل بشكل قطعي.
كل من يدّعي رؤية الغيب أو الحديث عن المستقبل وكأنه يشاهده بعينه، إما كاذب أو واهم.

هذه ليست مسألة دينية فقط، بل علمية أيضًا. فالعلم لا يعمل باليقين المطلق، بل بالاحتمالات والمؤشرات وحدود المعرفة.


ثانيًا: الحيلة المشتركة بين جميع المتنبئين

جميع المتنبئين، دون استثناء، يستخدمون الجملة نفسها:

«لا يعلم الغيب إلا الله، وما أقوله مجرد رؤية أو تحليل».

هذه الجملة لا تُقال تواضعًا، بل كوسيلة لإخلاء المسؤولية.
فإن فشل التوقع، قالوا: مجرد رأي.
وإن صادف الواقع، قالوا: ألم أقل لكم؟

في علم النفس المعرفي والإعلامي، يُعرف هذا الأسلوب باسم «التحصين المسبق»: حماية المتحدث نفسه من الفشل قبل أن يتكلم، وفتح باب النجاح مهما كانت النتيجة.




ثالثًا: الفرق بين التنبؤ والتحليل العلمي

العلم الحقيقي – في الاقتصاد أو السياسة أو الجيولوجيا – لا يقول:

فلان سيموت
ولا يقول:
حدث كارثي حتمي.

بل يقول:

  • هناك مؤشرات

  • هناك احتمالات

  • هناك نسب خطأ معترف بها

بينما المتنبئ يقول:

عزاء في الوسط الفني
حدث ضخم يهز العالم
شخصية مهمة ستغيب

جُمل عامة، مطاطة، تقبل أي تفسير لاحق.


رابعًا: لماذا “يُصيب” المتنبئون أحيانًا؟

السبب لا علاقة له بالغيب، بل بما يُعرف بـ انحياز التأكيد.
الناس تتذكر التوقع الذي “أصاب”، وتنسى عشرات التوقعات التي فشلت.

المتنبئ قد يطلق 100 توقع، يفشل 99 منها، ويُسلّط الضوء فقط على التوقع الوحيد الذي اقترب من الواقع، ثم يُعاد تدويره إعلاميًا كـ “إعجاز”.


خامسًا: كيف يُصنع الترند؟

الترند لا يعتمد على الحقيقة، بل على ثلاثة عناصر أساسية:

  1. تحريك المشاعر: خوف – غضب – صدمة – قلق

  2. قابلية المشاركة: جملة قصيرة مرعبة تُرسل بسرعة

  3. تغذية الخوارزميات: تعليق، مشاركة، مشاهدة، حتى لو كان اعتراضًا

الخوارزميات لا تسأل: هل هذا صحيح؟
بل تسأل: هل شدّ الانتباه؟


سادسًا: لماذا تنتشر التوقعات السوداوية أكثر؟

لأن عقل الإنسان مبرمج بيولوجيًا على التقاط الخطر قبل أي شيء آخر.
الخبر السلبي يترك أثرًا أعمق من الخبر الإيجابي، ليس لأنه أدق، بل لأنه أقوى نفسيًا.

ولهذا، ينجح خطاب الخوف دائمًا أكثر من خطاب العقل.


سابعًا: 2026… ماذا يقول العلم لا المنجمون؟

1. الاقتصاد العالمي

العالم لا يتجه إلى سيناريو “نهاية كونية”، لكنه يدخل مرحلة تقلبات حادة بسبب:

  • فقاعة الأصول

  • التضخم

  • رفع أسعار الفائدة

  • ديون غير مسبوقة

  • سلوك استهلاكي حذر

هذه مؤشرات ركود محتمل، لا نبوءة انهيار شامل.

2. أوروبا والحرب

التاريخ يقول إن تزامن:

  • ضغط اقتصادي

  • توتر اجتماعي

  • سباق تسلح

  • أزمات حدودية

يرفع احتمالية الصدام العسكري.
الحديث عن حرب في أوروبا قراءة نمط، لا تنجيم.

3. الزلازل

لا يمكن تحديد موعد أي زلزال، لكن منطقتنا تقع على تقاطع صفائح نشطة.
المشكلة ليست في الزلزال، بل في ضعف الجاهزية.


ثامنًا: لعبة “من سيموت في 2026”

أخطر ما يفعله المتنبئون هو الحديث عن الموت دون أسماء واضحة.
يقولون:

شخصية كبيرة ستغيب

ويراهنون على:

  • التقدم في العمر

  • الأمراض المزمنة

  • الاحتمال الإحصائي

فإن حدثت وفاة، قالوا: كنا نعلم.
وإن لم تحدث، أعادوا التوقع للعام التالي.

هذا ليس علمًا، بل إدارة محتوى رخيصة.


تاسعًا: لماذا الناس مهووسة بالمستقبل؟

لأن الحاضر أصبح غير مستقر.
وبين لا جواب، وجواب ناقص، يفضّل العقل البشري الجواب الناقص… حتى لو كان مخيفًا.


الخلاصة:

نحن لا نعيش أسوأ عصر، بل أكثر عصر يُضخ فيه الخوف.
والفرق بين التحليل والتخويف هو النية والمنهج.

العلم يقول:

هناك احتمال

والمنجم يقول:

سيحدث حتمًا

والاختيار… يبقى لك.


خاتمة:

لا تجعلوا الخوف بوصلة وعيكم، ولا تمنحوا عقولكم لمن يبيع الوهم.
الأحداث لا تقع لأن منجمًا قالها، بل لأنها نتاج سياسات، واقتصاد، وسلوك بشري، وإرادة إلهية.

كن واعيًا… فالعلم أبطأ، لكنه أصدق.

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا