الثلاثاء، 6 يناير 2026

Published يناير 06, 2026 by with 0 comment

هل كل شيء يُفسَّر بالمادة؟ وكيف يُمهد “تبسيط العلم” الطريق لنفي الغيب

هل كل شيء يُفسَّر بالمادة؟ وكيف يُمهد “تبسيط العلم” الطريق لنفي الغيب

هل كل شيء يُفسَّر بالمادة؟ وكيف يُمهد “تبسيط العلم” الطريق لنفي الغيب




تنتشر بين شريحة واسعة من الشباب في هذه الأيام قناعة آخذة في الترسخ، مفادها أن كل ما في الحياة يجب أن يكون له تفسير مادي محسوس، وإلا فهو غير موجود أصلًا. هذه الفكرة لا تأتي من فراغ، بل تُغذّى يوميًا عبر محتوى واسع الانتشار يقدَّم تحت عنوان “تبسيط العلم”، ويقف في مقدمته صُنّاع محتوى مؤثرون، من أبرزهم الدحيح ومن يسير على نهجه.


وفق هذا التصور، يصبح الرزق مجرد “سوق وشطارة”، لا توفيق فيه ولا بركة من الله، ويُختزل التوفيق في التخطيط والذكاء والحظ، لا في الهداية الإلهية، ويُقدَّم النجاح المادي على أنه ثمرة العمل وحده، بلا أدنى ارتباط بالدعاء أو الاستعانة بالله. أما النصر في المعارك، فيُفسَّر بالطقس والرياح والصدف، وكأن السماء مغيبة تمامًا عن الأرض.


وهنا يجب التوقف بوضوح: هذا ليس علمًا، بل رؤية مادية مبتورة، وهي – شاء أصحابها أم أبوا – تمثل المدخل الأول لنزع الغيب من وعي الإنسان.


متى يتحول التفسير العلمي إلى نفي للدين؟

المشكلة ليست في تفسير الأسباب المادية، فالإسلام لا يعارض العلم ولا يرفض المنهج التجريبي، بل يدعو إلى الأخذ بالأسباب.


المشكلة تبدأ عندما يُقدَّم التفسير المادي على أنه التفسير الوحيد، ويُصوَّر الغيب وكأنه خرافة لا مكان لها في فهم الواقع.


وهنا تحديدًا يكمن الخطر في المحتوى الذي يقدمه الدحيح وأمثاله؛ إذ يتم تطبيع العقل مع فكرة أن كل ما لا يُقاس ولا يُرى فهو غير جدير بالتصديق.


وبمرور الوقت، يصبح الحديث عن الملائكة، أو نصر من عند الله، أو تدخل إلهي في مجريات الأحداث، مادة للسخرية والاستهزاء، لا للنقاش.


يسألونك: كيف نؤمن بملائكة؟ كيف نقيس قوتهم؟ ما شكلهم؟
وكأن معيار الوجود الوحيد هو المختبر وأدوات القياس.

معارك لا تنجح فيها الحسابات… لكن ينتصر فيها الإيمان

لو طبقنا الحسابات المادية البحتة على معارك الإسلام الكبرى، لكانت النتيجة واحدة: الهزيمة الحتمية.


الأعداد أقل، العُدة أضعف، الخبرة العسكرية محدودة.

  • في ذات السلاسل، كان الفارق العددي مهولًا.

  • في اليرموك، كيف يُهزم جيش يفوق المسلمين عددًا وتنظيمًا؟

  • في بدر، هل انتصر المسلمون لأن الرياح كانت في صالحهم صدفة؟

القرآن يحسم الجدل:

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾

وحين انهزم المسلمون في مواقف أخرى، لم يكن ذلك لنقص السلاح، بل للغرور والاعتماد على الكثرة:

﴿إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئًا﴾

النصر ليس نتاج معادلة مادية فقط، والهزيمة ليست دائمًا فشلًا تقنيًا.

العلم والغيب: لا تعارض إلا في عقول الماديين

العلم يجيب عن سؤال كيف،
والغيب يجيب عن سؤال لماذا.

التعارض لا يحدث إلا عندما يُراد فصل أحدهما عن الآخر، وهو ما يُزرع تدريجيًا في وعي الشباب عبر محتوى يبدو محايدًا، لكنه في جوهره يُفرغ الوجود من معناه الغيبي.

خذ مثال الحب:
هل هو هرمون؟
ما يُقاس هو التغير الكيميائي، لا المعنى نفسه.
الهرمون ليس الحب، بل أثر مادي لتجربة داخلية غير مادية.

والروح؟
العلم التجريبي يعجز عن إثباتها أو نفيها، لأنها خارج نطاق أدواته.
فهل يعني ذلك أنها غير موجودة؟ بالطبع لا.


إلى أين يقود هذا الطريق؟

حين يُختزل الإنسان في كونه تفاعلات كيميائية فقط، يصبح:

  • بلا غاية

  • بلا كرامة

  • بلا مرجعية أخلاقية

ويصبح من السهل تبرير الظلم، والقتل، والاستغلال، بحجة الجينات أو الظروف أو الكيمياء العصبية.
وهذا هو منطق الإلحاد الصريح، حتى لو لم يُعلن أصحابه ذلك.


لماذا ينجذب الشباب لمحتوى مثل الدحيح؟

  1. ضعف الإيمان بالغيب
    وأول صفات المتقين: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾.

  2. الهروب من المحاسبة
    الدين يطالبك بالتغيير، المادية تبرئك من المسؤولية.

  3. عقدة الانبهار بالغرب
    تبدأ بالإعجاب بالبنيان، وتنتهي بتبني الفكر ومعاداة أي خطاب ديني.

ولهذا يخشى بعض صناع المحتوى أن يقولوا: قال الله أو قال رسول الله، خوفًا من جمهور اعتاد تفسير كل شيء بلغة المادة فقط.


الخلاصة

القضية ليست في الدحيح كشخص، بل في المنهج الذي يُسوَّق من خلاله.
العلم بلا غيب أعمى،
والغيب بلا علم ناقص،

ومن يفصل بينهما يزرع في العقول بذرة التيه، لا المعرفة. 

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا