
عندما تختطف دولةٌ رئيسَ دولة: البلطجة الأميركية بلا أقنعة
هل رأيت في حياتك هذا القدر من الوقاحة السياسية؟
رئيس دولة يُختطف من غرفة نومه، هو وزوجته، على يد قوات أجنبية، ويُنقل بطائرة عسكرية خارج بلده، ثم يُسجن ويُحاكم وكأنه مجرم عادي. لا انقلاب داخلي، لا قرار محكمة دولية، لا تفويض أممي. فقط قوة عسكرية تقرر، تنفّذ، ثم تفرض الأمر الواقع.
هذا ليس خيالًا سياسيًا، بل سيناريو أميركي متكرر.
في عام 1989، اقتحمت قوات النخبة الأميركية بنما، اختطفت رئيسها مانويل نورييغا، كبلته بالأصفاد، ونقلته إلى الولايات المتحدة، حيث حوكم وسُجن كما يُحاكم تاجر مخدرات عادي. لم تكتفِ واشنطن بذلك، بل تنقلت به بين السجون والدول، من أميركا إلى فرنسا ثم إلى بنما، في استعراض مقصود لإذلال أي رئيس يفكر يومًا في قول “لا” للولايات المتحدة. وانتهت القصة بموته في السجن عام 2017.
أين كان القانون الدولي؟
أين كانت الأمم المتحدة؟
أين كانت المحكمة الجنائية الدولية؟
لم يكن هذا استثناءً، بل رسالة.
وعندما نسي العالم تلك الرسالة، أعادت الولايات المتحدة إرسالها بحروف من نار في العراق.
التهمة؟ أسلحة دمار شامل.
الدليل؟ لا شيء.
النتيجة؟ غزو كامل، تدمير دولة، ثم القبض على رئيسها صدام حسين، وإخضاعه للإهانة والاعتقال والمحاكمة، رغم أن الذريعة التي غُزيت بها البلاد لم تُثبت يومًا.
الهدف لم يكن أسلحة، بل نفط.
واليوم، يتكرر المشهد مع فنزويلا.
رئيس فنزويلا يُختطف من غرفة نومه خلال أقل من نصف ساعة. عملية نظيفة، سريعة، بلا مقاومة تُذكر. سؤال بديهي يفرض نفسه:
كيف تصل قوة أجنبية إلى غرفة نوم رئيس دولة بهذه السهولة؟
من قدّم الخرائط؟
من أمّن الطريق؟
ومن أغلق عيون الجيش؟
إما خيانة داخلية، أو انهيار كامل للسيادة. وفي الحالتين، الفضيحة واحدة.
لكن لماذا فنزويلا؟
الجواب معروف: النفط.
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم. لسنوات طويلة، كانت الشركات الأميركية تسيطر على استخراجه، تبني مدنًا ومستشفيات ومدارس، لا حبًا في الشعب، بل لأنها كانت تشتري الأرض وتملك الأصول. كانت دولة داخل دولة.
ثم جاء التأميم.
ثم جاء هوغو تشافيز.
ثم جاء نيكولاس مادورو.
فنزويلا قررت أن النفط ملكها، لا ملك الشركات. فغضبت واشنطن.
العقوبات لم تُسقط النظام.
الضغوط الاقتصادية لم تنجح.
فانتقلت أميركا إلى خطتها المفضلة: تغيير النظام بالقوة.
مرةً باسم “أسلحة الدمار الشامل”،
ومرةً باسم “مكافحة المخدرات”،
لكن الهدف واحد: السيطرة على الموارد.
والأخطر من كل ذلك، صمت العالم.
الصين تحذر ولا تحمي.
روسيا توقّع اتفاقيات دفاع ولا تتدخل.
إيران منشغلة بنفسها.
رئيس دولة يُختطف، ولا دولة كبرى تحرك ساكنًا.
وهنا نصل إلى جوهر المأساة:
العالم لا يحترم إلا القوة،
والاتفاقيات بلا قوة تحميها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
يبقى السؤال الأصعب، وليس له جواب واحد:
لو كنتَ مواطنًا فنزويليًا، ماذا تفعل؟
هل تفرح بزوال حاكم مستبد، ولو على يد قوة أجنبية جاءت لتسرق ثروتك؟
أم تحمل السلاح دفاعًا عن نفط بلدك، حتى لو كان من يحكمك ظالمًا؟
السؤال ليس سهلًا،
لكن الحقيقة واضحة:
ما جرى ليس تحريرًا،
بل قرصنة دولية… ببدلة رسمية.
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا