الجمعة، 16 يناير 2026

Published يناير 16, 2026 by with 0 comment

«الاتفاقيات الإبراهيمية»: عندما يُستدعى الدين لتجميل السياسة لا لصناعة السلام

 

«الاتفاقيات الإبراهيمية»: عندما يُستدعى الدين لتجميل السياسة لا لصناعة السلام

«الاتفاقيات الإبراهيمية»: عندما يُستدعى الدين لتجميل السياسة لا لصناعة السلام




لم يكن توصيف الأمير تركي الفيصل لما يُسمى «الديانة الإبراهيمية» بأنه «شغل ضحك على اللحى» مجرد عبارة حادة أُطلقت في لحظة انفعال، بل جاء كخلاصة موقف سياسي وفكري يعكس اعتراضًا عميقًا على مسارٍ كامل جرى تسويقه باسم السلام والتسامح الديني، بينما جوهره سياسي بحت، ونتائجه – حتى الآن – تخدم طرفًا واحدًا.

فمنذ الإعلان عن «الاتفاقيات الإبراهيمية» عام 2020، رُوّج لها باعتبارها تحولًا تاريخيًا في الشرق الأوسط، ونقطة نهاية للصراع العربي–الإسرائيلي. لكن بعد مرور السنوات، تبرز أسئلة جوهرية لا يمكن القفز فوقها:
ماذا تغيّر فعليًا على الأرض؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا المسار؟


أولًا: ما هي الاتفاقيات الإبراهيمية فعلًا؟

وقّعت كل من الإمارات والبحرين (ثم لاحقًا المغرب والسودان) اتفاقيات تطبيع كاملة مع إسرائيل برعاية أمريكية، تحت مسمى «الاتفاقيات الإبراهيمية»، في إشارة رمزية إلى النبي إبراهيم بوصفه جامعًا دينيًا لليهودية والمسيحية والإسلام.

لكن من الناحية القانونية والسياسية:

  • الاتفاقيات ليست اتفاقيات سلام بين أطراف في حالة حرب مباشرة.

  • لم تتضمن أي بنود ملزمة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

  • لم تشترط وقف الاستيطان، ولا رفع الحصار عن غزة، ولا الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين.

بمعنى أدق:
هي اتفاقيات تطبيع سياسي كامل مقابل وعود أمنية واقتصادية، لا مقابل حقوق تاريخية أو عدالة سياسية.


ثانيًا: الدين كغطاء… لا كجوهر

هنا تكمن النقطة التي فجّرت انتقاد الأمير تركي الفيصل. فإقحام مفهوم «الإبراهيمية» في سياق سياسي حديث لا يخدم التعايش بقدر ما:

  • يفرغ الأديان من بعدها القيمي والأخلاقي.

  • يستخدم الرموز الدينية لتسويق قرارات سياسية مثيرة للجدل.

  • يمنح الاحتلال غطاءً أخلاقيًا زائفًا عبر لغة «التسامح».

والسؤال المنطقي الذي يطرحه منتقدو الاتفاقيات:
كيف يُبنى سلام ديني بينما تُنتهك المقدسات الإسلامية والمسيحية يوميًا في القدس؟

فالواقع يشير إلى أن:

  • الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى ازدادت بعد الاتفاقيات.

  • الاستيطان في الضفة الغربية توسع بوتيرة غير مسبوقة.

  • العدوان على غزة لم يتوقف، بل تكرر بأعنف صوره.


ثالثًا: ماذا جنت القضية الفلسطينية؟

إذا كان السلام يُقاس بنتائجه، فإن الحصيلة حتى الآن قاتمة:

  • لم تُستأنف مفاوضات جادة على أساس حل الدولتين.

  • لم تُرفع العقوبات الجماعية عن الفلسطينيين.

  • لم يتحسن الوضع الإنساني في غزة أو الضفة.

بل على العكس، استُخدمت الاتفاقيات:

  • لإقناع إسرائيل بأنها قادرة على التطبيع دون دفع أي ثمن سياسي.

  • لتهميش القضية الفلسطينية في الأجندة الإقليمية.

  • لتحويل الصراع من قضية احتلال إلى «نزاع يمكن التعايش معه».

وهذا ما يجعل توصيف الاتفاقيات بأنها «شرعنة لواقع ظالم» توصيفًا دقيقًا لا مبالغًا فيه.


رابعًا: موقف الأمير تركي الفيصل… لماذا هو مهم؟

الأمير تركي الفيصل ليس شخصية عابرة:

  • شغل رئاسة الاستخبارات السعودية لسنوات.

  • وكان سفيرًا للمملكة في واشنطن ولندن.

  • يُعرف بمواقفه الواضحة من القضية الفلسطينية.

وعندما يصف «الإبراهيمية» بأنها توظيف مضلل للدين، فهو يعبّر عن تيار يرى أن:

  • السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاوز المظلوم.

  • ولا على إعادة صياغة الصراع بلغة ناعمة تخفي جوهره.

  • ولا على استدعاء الأنبياء لتبرير اختلال موازين القوة.


خامسًا: السلام بين القيمة والصفقة

الفرق الجوهري الذي يطرحه منتقدو الاتفاقيات هو:

  • السلام كقيمة: يقوم على العدالة، ورفع الظلم، وإنهاء الاحتلال.

  • السلام كصفقة: يقوم على المصالح، والتوازنات، وتبادل المنافع.

والاتفاقيات الإبراهيمية، وفق الوقائع، أقرب بكثير إلى النموذج الثاني.


الخلاصة

تحويل الدين إلى أداة سياسية لا يصنع سلامًا، بل يُنتج خطابًا جميلًا يخفي واقعًا قبيحًا.
وما لم تُترجم هذه الاتفاقيات إلى:

  • إنهاء احتلال،

  • وحماية مقدسات،

  • وضمان حقوق شعب واقع تحت القهر،

فستبقى، كما وصفها الأمير تركي الفيصل، مجرد محاولة لتجميل السياسة بالدين، لا لصناعة سلام حقيقي.

    email this

0 comments:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا