
أوروبا تغيّر بوصلتها فجأة: لماذا انقلب الموقف الأوروبي على إيران؟
لم يكن التحول الأوروبي الأخير تجاه إيران مجرّد تطور دبلوماسي عابر، بل شكّل انعطافة سياسية حادة كشفت عن تغيّر عميق في حسابات المصالح والتحالفات داخل القارة العجوز. فالدعوات الأوروبية العلنية لطهران من أجل خفض الإجراءات الأمنية ضد المتظاهرين، مقرونة بخطاب سياسي متشدد وتهديدات بعقوبات إضافية، عكست اصطفافًا واضحًا – وإن لم يُعلن صراحة – مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران.
هذا التحول المفاجئ يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي دفع أوروبا إلى التخلي عن سياسة التوازن والحوار، والانتقال إلى موقع الضغط والتصعيد؟
من سياسة الاحتواء إلى منطق المواجهة
لسنوات طويلة، تبنّى الاتحاد الأوروبي سياسة تقوم على “الاحتواء الناعم” تجاه إيران، خصوصًا بعد الاتفاق النووي عام 2015، حيث لعبت العواصم الأوروبية دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وحاولت الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة حتى في ذروة التوتر.
غير أن المشهد تبدّل بسرعة. فمع اتساع رقعة الاحتجاجات داخل إيران، وتزايد التقارير الحقوقية حول سقوط قتلى واعتقالات واسعة، انتقلت أوروبا من لغة القلق إلى خطاب الإدانة، ومن الدعوة إلى الإصلاح إلى التلويح بالعقوبات والعزل السياسي.
الضغط الأميركي… العامل الحاسم
لا يمكن قراءة الموقف الأوروبي الجديد بمعزل عن العامل الأميركي. فواشنطن، التي أعادت تصعيدها ضد إيران سياسيًا واقتصاديًا، أوصلت رسالة واضحة لحلفائها: الحياد لم يعد خيارًا.
تجارب السنوات الماضية لا تزال ماثلة في الذاكرة الأوروبية؛ دول وشركات كبرى دفعت أثمانًا باهظة بسبب تحديها للعقوبات الأميركية، من الغرامات المالية الضخمة إلى الإقصاء عن النظام المالي العالمي. هذا الإرث جعل كثيرًا من العواصم الأوروبية أكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للمغامرة بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من أجل الحفاظ على خط تواصل مع طهران.
الظل الإسرائيلي… حاضر بقوة
ورغم أن أوروبا نادرًا ما تعلن صراحة تبنيها للرؤية الإسرائيلية تجاه إيران، فإن الوقائع تشير إلى تقاطع متزايد في المواقف. فإسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها الخطر الإقليمي الأول، وتدفع باتجاه عزلها سياسيًا وتشديد الضغوط عليها.
المواقف الأوروبية الأخيرة – من التهديد بإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، إلى دعم العقوبات الجديدة – تتقاطع بشكل لافت مع الأجندة الإسرائيلية، حتى وإن صيغت بلغة حقوق الإنسان والدفاع عن المتظاهرين.
الخوف لا المبادئ؟
السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل تحركت أوروبا بدافع حماية حقوق الإنسان فعلًا، أم بدافع الخوف؟
الواقع يشير إلى أن الاعتبارات الأخلاقية، رغم حضورها في الخطاب الرسمي، ليست العامل الوحيد. فهناك خشية أوروبية واضحة من:
-
العقوبات الأميركية الثانوية التي قد تطال الدول أو الشركات المستمرة في التعاون مع إيران.
-
العزلة السياسية داخل المعسكر الغربي في حال الخروج عن الإجماع الأميركي.
-
الاضطراب الإقليمي الذي قد ينعكس على أمن أوروبا، سواء عبر ملف الطاقة أو الهجرة أو الأمن.
إيران الخاسر الأكبر؟
في خضم هذا التحول، تبدو إيران الطرف الأكثر تضررًا. ففقدان الغطاء الأوروبي – الذي طالما شكّل نافذة دبلوماسية مهمة – يعني تضييق الخناق عليها سياسيًا واقتصاديًا، ودفعها أكثر نحو العزلة أو نحو خيارات تصعيدية قد تزيد المشهد تعقيدًا.
خاتمة: أوروبا بين القيم والمصالح
التحول الأوروبي ضد إيران لا يعكس فقط موقفًا من الاحتجاجات أو السياسات الداخلية لطهران، بل يكشف عن أزمة أعمق في استقلال القرار الأوروبي. فالقارة التي طالما رفعت شعار “السيادة الاستراتيجية” تبدو اليوم أكثر التصاقًا بالموقف الأميركي، وأقرب إلى الحسابات الإسرائيلية، حتى وإن غلّفت ذلك بخطاب حقوقي وإنساني.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستدفع أوروبا ثمن هذا الاصطفاف لاحقًا، أم أنها اختارت – بوعي كامل – طريق المصالح على حساب التوازن؟
0 comments:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وملاحظاتكم تسرنا